وفي المثل العربي: ((البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير))؛ فإذا كنا نعتقد اعتقاداً جازماً لا شك ولا ريب فيه أن الجن يتلبسون الناس، ويدخلون أبدانهم، وأن السحر حق ومنه الصرف والعطف؛ فالعلامات ضربة لازب (!)

والعلامات تتفرع عن الإثبات؛ فإن أثبتنا المس أثبتنا العلامات، وإن أثبتنا السحر فكذلك أثبتنا ما دَلَّ عليه ولا يتوقف هذا على علم من الكتاب والسنة.

فقد ثبت بالقرآن أن الشيطان يصرع الإنسان فإذا وجدنا إنساناً مصروعاً وانتفت عنه بقية أنواع الصرع (12)؛ علمنا يقيناً أن الشيطان صرعه؛ فكيف إذا نطق على لسانه (؟!)

وإذا وجدنا مربوطاً مأخوذاً عن زوجه، ولم يكن السبب عضوياً؛ فهذه علامة على سحر الربط، فإذا قلنا له: أنت مسحور؛ هل هذا شرك بالله، وقول على الله بغير علم (؟؟)

وإذا وجدنا زوجين اثنين قد جعل اللَّه بينهما مودة ورحمة، ولبثا على هذا الحال ما شاء اللَّه ثم انقلب الحال، وقلب كلاهما لصاحبه ظهر المجن، وقامت بينهما الإحن من غير ما سبب، وانقلبت المحبة بغضاً، والرحمة عذاباً، وظهر بينهما الشقاق، وعدم الاتفاق، ورغبا في الطلاق؛ فقلنا لهما: هذا سحر الفراق، هل هذا قول على الله بغير علم (؟)

فالذي ينبغي هو أن نفرق بين الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا اللَّه والغيب المقيد الذي إذا توفرت أسباب معرفته لم يعد غيباً العلم به شرك كما بَيَّنَّا (13).

ولنضرب مثلاً بالروح ليتضح الأمر لكل عاقل: فالروح غيب مطلق كما سبق فلا يعلم سره، وكُنْهَهُ إلا اللَّه فالحديث عن حقيقة الروح وماهيته دخول في علم الغيب، ولكن الحديث عن حلول الروح البدن ليس هذا من الغيب، فالجميع يعتقد أن في الأبدان أرواحاً لا أحد يخالف في ذلك فنحن نفرق بين وجود الروح في البدن من عدمه بعلامات تدل عليه فليس الحي كالميت فما الذي دل على ذلك (؟)

وجواباً عن هذا السؤال نقول: الذي دل على ذلك أنه لا حياة بدون روح فليست الرؤية للروح بلازم في إثباتها فدلائل الحياة وعلاماتها بينة ظاهرة على جسد الإنسان الحي فههو ذا يسمع ويرى، ويتكلم، ويمشي في الأسواق، ويعقد الصفقات، ويضحك ويبكي، ويلهو ويلعب؛ فليس بميت.

وكذلك إذا رأينا إنساناً طريح الفراش يُحْتَضَرُ، ويلْفِظُ أنفاسه، وبلغت الروح الحُلْقُوم، ونحن حينئذ ننظر؛ ولكن لا نبصر، ثم مات، وسكن، وخمدت أنفاسه؛ قلنا: خرج روحه؛ ونحن لم نره بل حال الميت دَلَّ على خروجه، فعلامات الموت بادية.

فقس على هذا أنواع الأمراض الباطنة المختلفة التي تصيب الناس ولا تراها العيون؛ فيقولون: هذا داء كذا ودواؤه كذا، وهذا كله يظهر بعلامات دلت عليه لم يعرف بآلة ولا بجهاز وإنما بأعراض دلت عليه، والعرب في الجاهلية، وفي صدر الإسلام وفي عصرنا مازالوا يتداوون، ويعالجون بطب الأعشاب إلى يومنا هذا؛ ويعرفون الأمراض بالأعراض التي تظهر على المريض بغير فحص ولا جهاز، ويصفون دواءها ولا أحد من معشر العقلاء يقول: أتقولون على الله ما لا تعلمون، وتدَّعون علم الغيب (؟!)

وأما قول من قال بأن الطبيب يعرف الأمراض الباطنة بجهاز الفحص فليس هذا من علم الغيب أو القول على الله بغير علم (!)

فأقول: هذا مردود شرعاً فإذا كانت هذه الأمراض الباطنة من الغيب؛ فالغيب لا يمكن أن يعرف بجهاز أبداً ((لأن الغيب لا يدرك بأمر صناعي البتة)).

قال ابن خلدون في ((العبر وديوان المبتدأ والخبر)): ((فالقوانين والصناعة لا توصل إلى معرفة الغيب بوجه من الوجوه والله يعلم وأنتم لا تعلمون)).

وقال في (أبجد العلوم): ((. . . ذكر في (المدارك) في تفسير: ? إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ?: وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث أو الموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيباً على أنه مجرد الظن والظن غير العلم))

.اهـ

قلت: فإن قال قائل: بل هي من الغيب المقيد الذي شاء الله أن يُعلم لما في العلم به من مصلحة.

قلنا: فإذا سَلَّمْتَ للطبيب في معرفة الأمراض الباطنة بالجهاز فلم يعد غيباً فسلم لمن يعرف الأمراض بالأعراض دون جهاز فهذا مما شاء الله أن يعلم لما فيه من المصلحة (!)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015