بل نقطع بهذا يقيناً فما جعلنا الله في عَمىً وريب نَتَرَدَّدُ، فَلَبْسُ الجني للإنسي أو مرضه بالسحر ليس هذا غيباً تحرم معرفته، أو مما خصَّ الله به نفسه فلا يعلمه إلا الله.
بل هذا من الغيب المقيد الذي إذا توفرت أسباب علمه ومعرفته عُلِمَ ولا شيء من الشرك في العلم به، ومعرفته، فليس هو من مفاتيح الغيب التي ضَنَّ الله بها حتى على رسله.
وينبغي أن نقسم الغيب إلى غيبين حتى يتضح الأمر؛ فأقول وبالله التوفيق:
الغيب غيبان:
* مطلق (حقيقي لفظاً ومعنىً) (2).
* ومقيد (مجازي سببي)،وإن قُلْتَ: (غيب دون غيب) صَحَّتِ التسمية.
* فالمطلق: ما خَصَّ الله به نفسه، وضَنَّ به فلا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل (3).
* كذات الله: لقوله: ? يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيْطُونَ بِهِ عِلْماً ? (4).
فلا يعلم حقيقة ذات اللَّه إلا اللَّه، قال ابن أبي زيد القيرواني: ((. . . ولا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في حقيقة ذاته ? وَلاَ يُحِيْطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ?)) (5) (6).اهـ
* والروح: فهو من الغيب المطلق الذي خصَّ اللَّه به نفسه فلا يعلم حقيقته إلا اللَّه، وعندما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح نزل الوحي بقوله تعالى: ? يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيْلاً ? (7).
* والساعة: فهي أيضاً من الغيب المطلق الذي خَصَّ اللَّه به نفسه فلا يعلم أيان مرساها إلا من أخفاها.
قال تعالى: ? يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَاعِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ? (8).
وقال أيضاً: ? يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً? (9).
وقال: ? إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ? (10).
فهذا من الغيب المطلق ـ وهناك غيره ـ الذي لا يعلمه إلا اللَّه ومن ادَّعَاه قلنا له: مكانك تُحمد (!) فقد قلتَ على اللَّه بغير علم أو ما لا تعلم.
* وأما المقيد: ما عُلِمَ بالدليل واستند إلى سبب (11).
فكل غيب علم بالدليل واستند إلى سبب فهو مقيد لم يخص الله به نفسه، ويندرج تحته كثير من الغيبيات كالسحر، والمس، والعين، والحسد،والأمراض الباطنة، وما يقوله المنجِّمون والعرَّافون، والكهان، والسحرة، فهذا كله مقيد، غيب دون غيب.
ولنجعل ضابطاً للغيب المطلق فرقاً بينه وبين المقيد فنقول هو: ما لا يمكن معرفته ولو بالأسباب؛ عاديةً كانت أم خارقة للعادة.
فإن كان غيباً وعُلِمَ بطريقٍ ما كالعرافة والكهانة، أو الشعوذة والتنجيم فليس هذا مما خص اللَّه به نفسه، وبالتالي لو علمناه بطُرُق لا حظر فيها كالنظر، والتجارب، وجريان العادة فلا بأس بذلك، ولا إثم، ولا معصية.
فلو اجتمع السحرة إنسهم وجنهم، والكهان إنسهم وجنهم، والمنجمون إنسهم وجنهم والشياطين إنسهم وجنهم لمعرفة أمر من الغيب مما خص اللَّه به نفسه كعلم الساعة أو كُنْه الروح فإنهم لا يستطيعون لأن هذا مما لا سبيل إلى معرفته، فعلمه عند اللَّه.
وعلى هذا فَتَلَبُّسُ الجني بالإنسي، ومرض الإنسان بالسحر، أو إصابته بالعين، أو الحسد ليست هذه من الأمراض التي لا يحيط بها إلا اللَّه علماً، ومما خصَّ اللَّه نفسه بمعرفتها وحرمها على خلقه لإمكان معرفتها بالوسائط.
وكيف يكون المس، والسحر من مطلق الغيب والمريض يعلم أنه ممسوس ومسحور وقد جأر بالشكوى (؟) والجني يتكلم على لسانه، وترتعد فرائصه، وترتجف أوصاله (!) والسحر قد حَطَّّهُ من عليائه، ويشتكي من أمعائه، والنار في أحشائه (!).
¥