قال القرطبي: ((وقد يعرف بطول التجارب أشياء من ذكورة الحمل وأنوثته إلى غير ذلك؛. . . وقد تختلف التجربة وتنكسر العادة ويبقى العلم لله تعالى وحده)) (14).

* السحر والمس والعين أمراض لا تحرم معرفتها:

إذن المرض بمس الجن، والسحر، والعين، والحسد، هو من قبيل هذه الأمراض التي تصيب الناس فليست غيباً يحرم معرفته، والكشف عنها لا يحتاج وحياً أو عرافاً، فلهذه الأمراض علاماتها وأعراضها التي تدل عليها، ولها أطباؤها الذين يعرفونها ويعالجونها.

ونحن نعرف الجن وأنواعهم، وماهيتهم، ومما خلقوا، ونعرف أنهم أرواح لطيفة تخترق الأجسام، وأنهم يتلبسون الناس، ويمرضونهم؛ فليس هذا بالنسبة لنا غيباً.

فإذا تلبس جني بإنسي وأمرضه علمنا ذلك، بالأعراض التي تظهر على المريض وبشكايته، وهذا ليس غيباً صار مشركاً باللَّه عالمه كما يقول ذلك المتعالمون المدعون.

بل الصواب شرعاً هو وجوب علمه، ومعرفته ومدافعته، حتى تعود للمريض عافيته.

ــــــــــــــ

(1) فتح المعين بجواز تعيين أمراض المس والسحر والعين.

(2) ويندرج تحته الوحي وما تخبر به الرسل فقد خرج عنه بالاستثناء الذي في الآية: ? عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ. . . ? وإلا فهو منه وقد انقطع وسُدَّ بابه، ويندرج تحت المطلق أيضاً حديث: ((مفاتيح الغيب خمس))، وقد التبس على بعضهم لقصور عقله عن فهم خطاب الشارع فظن أن الأطباء يعلمون ما في الأرحام بمعرفة الذكورة والأنوثة، فهذا مبلغ علمهم وليس هو المراد، وإذا أردت أن تفهم فعليك بحديث الصادق المصدوق تَفْهَمْ، فقد نص الحديث على أربع كلمات لَعَمْرِي لن يعرفها الأطباء أبداً، قال: ((ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد))، فهذا مما في الأرحام.

(3) قال شيخ الإسلام: وقد قال تعالى: ? قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?، فاستثنى نفسه، والعالم ? مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ? ولا يجوز أن يقال هذا استثناء منقطع، لأن المستثنى مرفوع، ولو كان منقطعاً لكان منصوباً، والمرفوع على البدل، والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ، كأنه قال: ((لا يعلم الغيب إلا الله))، فيلزم أنه داخل في ? مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ? وقد قدمنا أن لفظ ((السماء)) يتناول كل ما سما، ويدخل فيه السموات، والكرسي، والعرش، وما فوق ذلك لأن هذا في جانب النفي، وهو لم يقل هنا: ((السموات السبع)) بل عم بلفظ ((السموات)).

وإذا كان لفظ ((السماء)) قد يراد به السحاب، ويراد به الفلك، ويراد به ما فوق العالم، ويراد به العلو مطلقاً، فـ ((السموات)) جمع ((سماء)) وكل من فيما يسمى ((سماء)) وكل من فيما يسمى ((أرضاً)) لا يعلم الغيب إلا الله. وهو سبحانه قال: ? قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَن ? ولم يقل ((ما))، فإنه لما اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه بـ ((من)) لتكون أبلغ، فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله.

وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه: ? عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً?.اهـ

(4) سورة طه الآية: (110).

(5) ابن أبي زيد القيرواني (الرسالة) (باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات).

(6) سورة البقرة الآية: (255).

(7) سورة الإسراء الآية: (85).

(8) سورة الأعراف الآية: (187).

(9) سورة الأحزاب الآية: (63).

(10) سورة فصلت الآية: (47).

(11) قال شيخ الإسلام: ((والغيب المقيد ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه، فإنما هو غيب عمن غاب عنه، ليس هو غيباً عمن شهده.

والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيباً مقيداً، أي: غيباً عمن غاب عنه من المخلوقين، لا عمن شهده، ليس غيباً مطلقاً غاب عن المخلوقين قاطبة.

وقوله: ? قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ? أي: عالم ما غاب عن العباد مطلقاً ومعيناً وما شهدوه، فهو سبحانه يعلم ذلك كله)).اهـ

(تفسير سورة الأعلى مجموع الفتاوى ج 16).

(12) أقصد: صرع العين، والحمى، والمصيبة، والجوع، ولا أقول بصرع الأخلاط فلم يثبت عندي.

(13) في تفسير قوله تعالى: ? وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ? قال الحافظ: ((وقال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة. . .:والمراد بنفي العلم عن الغيب الحقيقي فإن لبعض الغيوب أسباباً قد يستدل بها عليها لكن ليس ذلك حقيقياً)). (فتح الباري) (ج13) (كتاب التوحيد) (ص 446).

وقال القرطبي: ((وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره، إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم. . . وأخرج حميد بن زنجويه عن بعض الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فَأُنْكِرَ عليه فقال: إنما الغيب خمس ـ وتلا هذه الآية ـ وما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم)). (فتح الباري) (كتاب الإيمان) (باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام) (حديث رقم 50).

قال في أبجد العلوم: ((. . . ذكر في (المدارك) في تفسير:? إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ?:وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث أو الموت فإنه يقول بالقياس والنظر في الطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيباً على أنه مجرد الظن والظن غير العلم)).

قلت: وعلى ضوء ما سبق نستطيع القول بأن قولنا: فلان ممسوس أو مسحور أو معيون، أو محسود؛ هذا ظن الغيب وليس علم الغيب،ويعلمه قوم ويجهله آخرون، ((وأن مثل ذلك ليس من الدخول في علم الغيب أصلاً بل هو من باب الدخول في الظن)) وسيأتي معنا تفصيل القول في معنى الرجم بالغيب.

(14) القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) (تفسير سورة لقمان)

الجُنةُ من الجِنةِ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015