وأما ما عدا ذلك من الروايات أو الأخبار التي يتناقلها الناس عن بعض أهل العلم في المنع من الأكل قبل الفجر الصادق، أو جوازه بعده، فلا يلتفت إليها؛ لأنه لا تقوم بها حجة، ولا ينهض بها دليل، وإلا فإن منع الصائم الأكل قبل الفجر الصادق أو إباحة الطعام بعده؛ تعطيل للنصوص المحكمة، أو حتى لتخصيصها، فليس هاهنا محل تخصيص؛ لأن ظواهر بعض الروايات عن بعض أهل العلم تفيد جواز الأكل والشرب حتى بعد طلوع الفجر الصادق، وهذا أمر باطل، لمخالفته محكم القرآن، وصريح السنة؛ وإذا ثبت النص من الكتاب والسنة، وكان صريح الدلالة، فلا يلتفت إلى من خالفه كائناً من كان، ما لم يكن إجماعاً فيُنظر!
وإذا ثبت أن النصوص في تحريم الأكل بعد الفجر محكمة، فكل رواية - بعد ذلك - تخالف ذلك، فهي من المتشابه، وليس من حسن دين الرجل، ترك المحكم والمصير إلى روايات متشابهة عن غير المعصوم صلى الله عليه وسلم وهو القائل: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) تالله لو كانت هذه الروايات المتشابهة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لوجب ردها للمحكم، فكيف وهي عن غيره صلى الله عليه وسلم، ومخالفة لهديه!!
ومن ذلك ما رواه الطبري في تفسيره [6] عن أبي أمامه قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: ((نعم))، فشربها.
قلت: إن صح الحديث، فمن المعلوم أن الإقامة تَرِد بمعنى:الأذان، وتَرِد بمعنى:الإقامة للصلاة، فإذا حملنا معنى الإقامة هاهنا على معنى الإقامة للصلاة، فنكون بذلك قد خالفنا قطعي الكتاب وصحيح السنة .. ! فلا بد إذن من حملها على معنى الأذان، حتى تتفق النصوص ولا تتعارض، وإلا فمحال أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرب بعد الفجر إلا لمن كان الإناء على يده وأذَّن المؤذن .. ! أما وقد مضى وقت ليس بالقليل بين أذان الفجر الصادق والإقامة ثم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب، فيعني هذا جواز الأكل والشرب بعد الفجر، وفي هذا معارضة صريحة للقرآن الكريم لا يمكن التوفيق بين النصين بوجه من الوجوه.
ومما يؤكد ورود لفظ الإقامة بمعنى الأذان قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون .. )) الحديث، والمقصود بالإقامة هاهنا الأذان، وإلا فإن الصحابة ما كانوا يسمعون الإقامة.
ثم إن حادثة عين كهذه - شرب عمر بعد الفجر - هي متشابهة، و حادثة فعل، لا تنهض لنسخ محكم الكتاب والسنة من القول.
ثم إن وقت الإقامة غير منضبط كانضباط الأذان، فكيف يعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً شرعياً مُهمّاً على وقت غير منضبط.
كل ذلك إن كان الحديث صحيحاً - حديث أبي أمامه أن عمر شرب بعد الفجر! -، وإلا فإن مداره على الحسين بن واقد، وقد ذكر أكثر من إمام منهم الإمام أحمد وابن حبان: أنه يخطئ، وأن له أوهاماً، بل إن الإمام أحمد أنكر حديثه، وقال: في حديثه زيادة، ونفض يده، فمثل هذا الراوي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف النصوص المحكمة!!
وأما قول الأخوين الشيخين الكريمين في كتابهما ((صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم)): له إسنادان، فليس بصواب، بل إنما هو إسناد واحد من طريقين مدارهما على الحسين هذا.
ثم إن فهم هذا الحديث فهماً خاطئاً، حمل كثيراً من الناس على انتهاك حرمة الوقت بعد الفجر، فيأكلون ويشربون ضاربين بالنصوص المحكمة التي ذكرنا عرض الحائط، وليس هذا من مذهب السلف في شيء، وهو رد النصوص المحكمة بمتشابه.
المسألة الثانية: وأما الإمساك قبل أذان الفجر الصادق: فهو ورع بارد، واحتياط سمج، وغلو في الدين، وتحريم لما أباحه الله عز وجل، ورسوله وقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس: ((الفجر فجران؟ فجر يحرم فيه الطعام و تحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام)) [7].
ففي قوله: ((ويحل فيه الطعام)) دليل واضح على الإباحة، فلا يحل لكائن من كان أن يمنع الناس مما أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن هذا غلواً فلا غلو في الدين.
وأوضح من هذا؛ ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل ... )) الحديث.
¥