كما يرد ذلك ما قاله ابن عبد البر رحمه الله: وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن حضور الجماعة ليس بفرض لأنه لو كان فرضا ما كان أحد ليباح له ما يحبسه عن الفرض، وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أكله مباح فدل ذلك على ما وصفنا وبالله عصمتنا، ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها حرم على المسلمين كل ما يحبس عنها من بيع وقعود ورقاد وصلاة وكل ما يشتغل به المرء عنها، وكذلك من كان (من أهل المصر) حاضرا فيه لا عذر له في التخلف عن الجمعة أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضا لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حراما، وقد ثبتت إباحته فدل ذلك على أن حضور الجماعة ليس بفرض والله أعلم وإنما حضورها سنة وفضيلة وعمل بر. انتهى
كما أن العلماء اعتبروا حمل الأمر على الكراهة و ما قالته الأخت مبني على التحريم و تلك دعوى لا نسلم لها بها قال ابن قدامة في المغني: ويكره أكل البصل والثوم والكراث والفجل وكل ذي رائحة كريهة من أجل رائحته، سواء أراد دخول المسجد أو لم يرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال {: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس} رواه ابن ماجه. وإن أكله لم يقرب من المسجد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم {: من أكل من هاتين الشجرتين، فلا يقربن مصلانا}. وفي رواية: {فلا يقربنا في مساجدنا}. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وليس أكلها محرما؛ لما روى أبو أيوب {أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليه بطعام لم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فيه الثوم. فقال: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: لا، ولكنني أكرهه من أجل ريحه}. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي {كل الثوم، فلولا أن الملك يأتيني لأكلته}. وإنما منع أكلها لئلا يؤذي الناس برائحته؛ ولذلك نهي عن قربان المساجد، فإن أتى المساجد كره له ذلك، ولم يحرم عليه؛ لما روى المغيرة بن شعبة قال: {أكلت ثوما، وأتيت مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقت بركعة، فلما دخلت المسجد، وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريح الثوم، فلما قضى صلاته، قال: من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا حتى يذهب ريحها. فجئت، فقلت: يا رسول الله: لتعطني يدك. قال: فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري، فإذا أنا معصوب الصدر، فقال: إن لك عذرا}. رواه أبو داود. وقد روي عن أحمد، أنه يأثم؛ لأن ظاهر النهي التحريم، ولأن أذى المسلمين حرام، وهذا فيه أذاهم.انتهى
كما أن ليس فيه دلالة على إباحة أكل البصل والثوم أو تحريمه، بل فيه المنع من إيذاء الناس - خصوصا في المساجد. ففي لفظ له ساقه ابن خزيمة: (مَنْ أَكَلَ مِن هَذِهِ البَقلَةِ، فَلاَ يُؤْذِينَا بِهَا فِي مَسجِدِنَا هَذَا). أي فلا يحضرنّ الصلاة وهو على هذه الريح.
دعوى ثانية باطلة فمن أوجب صلاة الجماعة منع أكل الثوم و البصل قبلها بدلالة هذا الحديث.
واعتبر ذلك بحديث: (مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا). معلوم أن هذا الحديث لا يدل على أن الامتناع من الأضحية - مع السعة - جائز فضلا عن أن يدل على الإذن بالتخلف عن الجماعات بهذا السبب. فجواز التخلف عن الجماعات أو عدمه مدلول عليه بأدلة أخرى غير هذا الحديث. . وكذلك جواز الأكل من البصل أو تحريمه.
الاستدلال بهذا الحديث ليس في محله من عدة أوجه أولها أنه ضعيف لا تقوم به حجة و قد ثبت أن أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لم يضحيا مع السعة , عن الشعبي أن أبا بكر وعمر شهدا الموسم فلم يضحيا (المطالب العالية للحافظ ابن حجر العسقلاني كتاب الأضحية حديث: 2357).
بل قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إني لأدع الأضحية وأنا من أيسركم، كراهية أن يعتقد الناس أنها حتم واجب) رواه البيهقي
¥