لو لاحظت أخي أن البيع في المسألة المذكور واقع على الحيوان ليس على اللحم لما ذكرت هذا الاعتراض، لأن هذه الحوايا التي ذكرت بالفعل داخلة في البيع وهي من حق المشتري .. إذ كل البهيمة من حق المشتري بعظمها ولحمها وشحمها وكبدها وطحالها وقلبها ورأسها ولسانها وجلدها .. لكننا لا نتكلم عن المبيع وإنما عن طريقة تسعيره .. فتنبه
كما أن ذبح البهيمة و سلخها و تشفيتها يستغرق مالا و جهدا
كما أن الكبد و المخ و الدهن و الشغت و العظام
ليست بلا ثمن
فلكل منها إستخدام
أخي الكريم .. ما دخل ذبح البهيمة وسلخها في بيعها؟ هذه صفقة أخرى مع الجزار وليست مع البائع، وهي في العادة على المشتري لأن المبيع له، وإن اتفق المتبايعان على أن تكون أجرة الجزار بينهما مناصفة، أو أن يكون بائعها هو جازرها بأجرة معلومة فما المحظور؟
وأجرة الوزان أيضا على العرف، والحنفية يرونها على البائع، وللإمام مالك في أجرة الوزن أو الكيل رأيان القديم أنها على المشتري والآخر أنها على البائع. وهذه مسألة فرعية تبحث في مظانها بارك الله فيك.
و هناك شيء آخر
لا يمكن الجزم بمقدار ما تخرجه البهيمة من لحم و هى حيه
فهناك الهزيلة قليلة اللحم
و السمينة كثيرة الدهن
أما قولك إن مقدار اللحم غير مجزوم به، نعم هو مجهول كما قررت سابقا .. وكذلك عدد كيلات الصبرة مجهولة .. ومع ذلك أجاز الجمهور بيعها مع جهالة الثمن لأن إزالة هذه الجهالة بيدهما، وقد قدمت تعليل الفقهاء في هذا سابقا، ولم استزد في الاستدلال لمسألة الصبرة افتراضا لصحتها حيث قال بها الجمهور، إذ المقام هنا في تخريج مسألتنا عليها لا الاستدلال لمسألة الصبرة.
وأما قولك: أن فيها الهزيلة والسمينة، فهذا هو ما حمل الناس على استحداث هذه الصورة من البيع، بجعل الثمن في مقابل ما تزن من لحم. وانتبه فقد قلت أن ثمن الحيوان في مقابل ما يزن من لحم، وليس ثمن اللحم في مقابل ما يزن!
أما فى المعاملات التجارية فهناك باب آخر
ألا وهو وزن البهيمه حيه و يسمى الوزن القائم
و يسعر الكيلو القائم من لحمها
و هذا ليس لحما صافيا فقد وزن معه العظام و الجلد و الروث الذى فى بطنها أيضا
و هكذا فإن سعر الكيلو القائم أقل من سعر الكيلو الصافى
فيكون الشراء على قدر ما تخرج البهيمة من لحم إجحافا للمشترى بكل المقاييس
فقد تحمل تكلفة ذبح و سلخ ما لم يذبح و لم يسلخ
و فقد الحوايا فلم يأخذها
هذا و الله أعلم
هذه الصورة التي ذكرت قريبة من مسألتنا، إذ تباع البهيمة فيها بثمن وزنها (قائمة) كل كيلوجرام بكذا .. فالمبيع هنا معلوم وكذلك المبيع في مسألتنا، والثمن هنا مجهول يتوصل إليه بعد الوزن والحساب، وكذلك مسألتنا الثمن فيها مجهول يتوصل إليه بعد الذبح ووزن اللحم.
وفي مسألتنا يكون سعر كيلو اللحم أغلى، فإذا كان سعر كيلو القائم بعشرة، ففي مسألتنا يتفق المتبايعان على ضعف هذا المبلغ تقريبا فيكون سعر كيلو (اللحم) بعشرين. على أساس أن الموزون هنا اللحم لذلك زاد السعر، وقل السعر في الأخرى لأن الموزون البهيمة وما حوت من لحم وغيره .. لكن كلا المسألتين المعقود عليه هو البهيمة وليس اللحم، والاختلاف في طريقة التسعير.
هل تصورت المسألة أخي الكريم؟
جزاك الله خيرا على مشاركتك
ـ[أبو عمار المدني]ــــــــ[14 - Nov-2009, مساء 02:57]ـ
السلام عليكم ورحمة الله، أشكرك أخي على التوضيح، وقد راجعت المسألة في كتاب أحكام عقد البيع في الفقه المالكي للـ د. سوكحل، وقد ذكر أن تخريجها على شراء أرطال من اللحم، لأن الجامع بين المسألتين جهالة صفة اللحم، وعزى ذلك إلى مواهب الجليل والشرح الكبير، والظاهر أنها كذلك لأن هذا من بيع المغيب وإن كان أصله حاضرا فلا يخرج على مسألة الصبرة لأنها مرئية، أما القول أن البيع واقع على جملة الحيوان فليس بظاهر، لأنه يريد اللحم لا الحيوان، واللحم في الحيوان يختلف جودة وغثة ونقاءا، فتحديد القيمة لكل كيل منه فيه غرر واضح وليشترط الخيار من أراد الشراء على هذه الصفة، فهو أشبه ببيع الأعيان الغائبة غير الموصوفة، وبالله التوفيق.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أخي الكريم جزاك الله خيرا على المتابعة .. والعناية بذكر من تعرض لهذه المسألة.
أخي هل تقصد كتاب (أحكام البيع على الفقه المالكي لمحمد سكحال المجاجي)؟
مع الأسف لم أعثر على نسخة منه على الشبكة ولا أستطيع الحصول على نسخة منه في الوقت الحاضر .. فهلا تفضلت أخي الكريم بنقل ما ذكره في هذه المسألة كله أو تصويره إن استطعت .. فقد لاحظت اختصارا في نقلك هنا لا يشفي الغليل .. وكأني ألاحظ أنك جمعت تعليقك على الكلام مع كلامه.,
وأما قولك: فلا يخرج على مسألة الصبرة لأنها مرئية،
وكذلك الحيوان في مسألتنا حاضر مرئي معين، يحدده المشتري بعينه ويقول أريد هذه الشاة أو هذه البقرة بالتعيين، بل مسألتنا أولى في هذه الحالة من الصبرة لأنها وإن كانت مرئية إلا أنها مجهولة القدر .. بخلاف مسألتنا إذ ليس في المبيع أي جهالة .. وهذا في الكلام عن المبيع وليس عن الثمن.
وقولك: أما القول أن البيع واقع على جملة الحيوان فليس بظاهر، لأنه يريد اللحم لا الحيوان،
ومن منا عادة يشتري بهيمة الأنعام إلا وغرضه اللحم؟ هل هذا مفسد للبيع؟
بل في الحقيقة إنما أوردت هذه المسألة لمناقشتها في حكم التعامل بها من أجل شراء الأضحية، والمقصود في الأضحية بالطبع الحيوان لذبحه، مع ما في لحمه وجلده من غرض. (وسأناقش المسألة من حيث جواز التعامل بهذه الطريقة في الأضحية بعد الفراغ من نقاش أصل المعاملة ومدى شرعيتها)
فالمبيع والمعقود عليه هنا هو الحيوان وهو معلوم، والثمن مجهول يمكن معرفته بعد وزن اللحم، كمن اشترى بقرة بثمن ما تزن (قائمة) كل كيلوجرام بعشرة مثلا، فلا يشترط لصحة البيع معرفة الوزن، كما في الصبرة حيث لم يوقفوا صحة البيع على كيلها كاملة، بل صححوا البيع بهذه الصورة وإن كان الثمن مجهولا في الحال لكن يعرف بالمآل.
والله أعلم
¥