أما بخصوص النقل عن العلامة ابن مفلح رحمه الله يا غيثي.
فالذي يظهر لي بأن الكلام غير محرر , وفيه خلط عندنا , فالكلام عن النقاب في الصلاة والإحرام غير الكلام عن تغطية الوجه فيهما فأنتبه لذلك.
بل الكلام محرر، وهو عن حكم النقاب للمرأة في الصلاة، وليس عن حكم كشف المرأة لوجهها، والكلام عن النقاب في الصلاة ليس غير الكلام عن تغطية الوجه فيها.
والمهم أن تعرف أن المؤلف عندما يتكلم عن مسألة ما , فلا يصح الاستدلال بلازم كلامه , على فرع من فروع تلك المسألة أو غيرها.
فلا عبرة إلا بنص كلامه , لأن من طبيعة البشر , الاختلاف والاضطراب في أقوالهم , ويغني عن كل ذلك , ما قدمته لك من نص محرر لابن المبرد يحكي فيه الاتفاق بين الأئمة , على وجوب ستر وجه المرأة عند بروزها , فما الذي يدفع ذلك؟
ذاك ليس فيه استدلال بشيء على شيء، وإنما هو تصويب لخطأ وقع في بيان معنى كلام ابن مفلح.
أما ما وقع في مغني ذوي الأفهام فلعله – إن سلم من خطأ النسخ والطباعة- ليس على إطلاقه، وإنما إذا علمت المرأة نظر أجنبي إليها ... فهذا يمكن أن يقال: إن فيه إتفاقًا ... وإلا فالخلاف في أصل المسألة واقع، كما قال ابن مفلح: (وفي المسألة قولان)، وقد تقدم ذكر بعض من قال بالجواز في أصل المسألة؛ كابن جرير وابن عبد البر وعياض، ويضاف إليهم:
أبو جعفر الطحاوي (ت 321هـ) فإنه قال في " شرح المعاني " (2/ 392 - 393): (أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى).
وابن بطال (ت449ه) فإنه قال في شرح حديث نظر الفضل بن عباس إلى المرأة الخثعمية: (وهذا الحديث يدل على أن ستر المؤمنات وجوههن عن غير ذوي محارمهن سنة؛ لإجماعهم أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ويراه منها الغرباء، وأن قوله: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) النور:30، على الفرض في غير الوجه، وأن غض البصر عن جميع المحرمات وكل ما يخشى منه الفتنة واجب، وقد قال النبي عليه السلام: لا تتبع النظرة [النظرة]، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية [الآخرة]، وهذا معنى دخول (من) في قوله: (من أبصارهم)؛ لأن النظرة الأولى لا تملك؛ فوجب التبعيض لذلك، ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها تملك).
والبغوي (ت 516هـ) فإنه قال في " شرح السنة " (9/ 23): (فإن كانت أجنبية حرة؛ فجميع بدنها عورة في حق الرجل؛ لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها؛ إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضًا عند خوف الفتنة).
وابن القطان (ت 628هـ) فإنه قال في كتاب "النظر في أحكام النظر بحاسة البصر": (جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها, فإذاً النظر إلى ذلك جائز, لكن بشرط ألا يخاف الفتنة، وأن لا يقصد اللذة, أما إذا قصد اللذة، وخاف الفتنة؛ فلا نزاع في التحريم).
قولك:
والمهم أن تعرف أن المؤلف عندما يتكلم عن مسألة ما , فلا يصح الاستدلال بلازم كلامه , على فرع من فروع تلك المسألة أو غيرها.
فلا عبرة إلا بنص كلامه , لأن من طبيعة البشر , الاختلاف والاضطراب في أقوالهم ...
قد قلت نحوه حيث قلت:
ولا يجوز يا عبد الله عند تحقيق المسائل , تلمس الأقوال من التفريعات الواردة في مسائل أخرى.ومثال ذلك: كلام ابن مفلح هو في تقرير عدم الإنكار عند وجود الخلاف , وضرب لذلك مثلًا بمسألة كشف وجه الأجنبية , ونقل قول القاضي عياض , وقول شيخ الإسلام.
فلا يلزم من ضرب المثال في هذه الحالة صحته , وإنما المطلوب تقرير أصل المسألة.
فنقل القاضي عياض للإجماع باطل , وهو الذي بنى عليه ابن مفلح مثاله , وما بُني على باطل فه باطل.
ولا أدري كيف تُنكر الإجماعات الظنية وتنص على عدم حجيتها , وأنت تنقض اتفاق المذاهب على تحريم السفور , بإجماع مدعى باطل كالذي حكاه القاضي عياض؟!
وقد استدللت باللازم، وتلمست الأقوال من التفريعات الواردة في مسائل أخرى؛ في مواضع؛ حيث قلت:
فهذا ابن مفلح ينقل التحريم بالإجماع على مقتضى كلام ابن عبد البر!
وقلت:
وهذه بعض أقوال الحنابلة الذين قرروا أن الوجه واليدين ليسا بعورة , ومع ذلك يقررون وجوب ستره.
وقلت:
قلت: وهذا ظاهر بأن المراة لو كان لها أن تكشف في غير الصلاة والإحرام , لما احتاج لنقل الإجماع على مشروعية كشفه في الصلاة والإحرام , فتأمل.
وقلت:
فلما كان المقرر تحريم كشف وجه المرأة في خارج الصلاة , أجمعوا على أن لها كشفه في الصلاة والإحرام , فدل ذلك على حكم الأصل وأنه على التحريم.
ثم قال " وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ سَتْرُهُ " وهذا واضح أن من الفقهاء من لا يجيز كشفه حتى في الصلاة , فتأمل.
ـ[القضاعي]ــــــــ[25 - Nov-2009, مساء 07:13]ـ
بوركت أبا عبد الله، وإقرارك لما نقله ابن المبرد من الاتفاق بين الأئمة على وجوب ستر وجه المرأة إذا برزت للأجنبي، دليل على إنصافك نحسبك والله حسيبك، ولكنك لازلت تنازع في جواز كشف الوجه للمرأة عند انتفاء الفتنة أو الشهوة، وهذا لا خلاف فيه، في نزاعنا حول السفور والذي صفته أن تسفر المرأة عن وجهها دائما لحاجة ولغير حاجة، مع وجود الفتنة أو انتفاءها، وهذا هو الذي نقل الاتفاق على منعه الجويني وابن المبرد وغيرهما، ولا يشكل عليه ما نقلته عن الطحاوي أو غيره لأن قول الطحاوي (ابيح) دليل على الرخصة حال الحاجة لا على الدوام، وأنا يا أخي لم اتلمس من التفريعات إلا ما يشهد للأصل المتقرر نقله بالاتفاق، وأنت الذي ذهبت تتأول النقول التي تنص صراحة على منع السفور قطعا، والله الموفق
¥