ـ[عبد الله المزروع]ــــــــ[25 - Oct-2009, صباحاً 12:05]ـ
الفصل الثالث:
تلقين القاضي المتهم ما يدرأ عنه الحد.
مهمة القاضي في الشريعة الإسلامية مهمةٌ صعبة، ولهذا تتابع السلف على الفرار منها، فقد سُلِّطَ على رقاب الناس وأبشارهم وأموالهم، وهذا أمر ليس باليسير.
ولهذا لجأ بعض القضاة إلى تلقين المتهم ما يدرأ بِهِ الحد خوفًا من إقامة الحدِّ بالقتل أو القطع أو الجلد والتغريب، وحجتهم في ذلك (درء الحدود بالشبهات)، و (لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة)، و (لعلك ... لعلك ... )؛ لكن هذه الأمور إنْ لم تؤخذ بضوابطها صارت وسيلةً لضعف الأحكام وكثرة الجرائم.
وقد سبق الحديث عن هذه المسألة من الناحية الفقهية؛ أما من الناحية النظامية فقد أشارت بعض النصوص في نظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات الشرعية إلى هذه المسألة دون تصريحٍ بحكمها.
فمن ذلك؛ ما ورد في المادة الخامسة والخمسون بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية: جلسات المحاكِم علنية، ويجوز للمحكمة – استثناءً – أن تنظُر الدعوى كُلِها أو بعضِها بجلسات سرية، أو تمنع فئات مُعينة من الحضور، مُراعاة للأمن أو مُحافظة على الآداب العامة أو إذا كان ذلك ضرورياً لظهور الحقيقة.
إذن؛ المهم هو ظهور الحقيقة وأيُّ شيءٍ يعيق ذلك فيجب أنْ يزال؛ ومن باب أولى أن لا يكون هناك تلقين للمتهم بحيث يقول غير الحقيقة.
وقد ورد في المادة الثانية والستون بعد المائة من النظام ذاته: إذا اعترف المُتهم في أيِّ وقت بالتُهمة المنسوبة إليه، فعلى المحكمة أن تسمع أقواله تفصيلاً وتُناقِشه فيها. فإذا اطمأنت إلى أن الاعتِراف صحيح ورأت أنهُ لا حاجة إلى أدِلة أُخرى فعليها أن تكتفي بذلك وتفصِل في القضية، وعليها أن تستكمِل التحقيق إذا وجِدت لذلِك داعيًا.
وهذه المادة – في نظري – كالنصِّ في الموضوع، فالاعتراف إذا وقع صحيحًا فعلى المحكمة أن تكتفي بِهِ وتفصِل في القضية، وفي حالةِ إنكارِهِ للتهمة المنسوبةِ إليهِ فعلى المحكمة العمل بِما ورد في المادة الثالثة والستون بعد المائة: إذا أنكر المُتهم التُهمة المنسوبة إليه أو امتنع عن الإجابة، فعلى المحكمة أن تُسرِع في النظر في الأدِلة المُقدَّمة، وتُجري ما تراه لازِمًا بشأنِها، وأن تستجوِب المتهم تفصيلاً بشأن تِلك الأدِلة وما تضمنته الدعوى. ولِكُلٍ مِن طرفي الدعوى مُناقشة شهود الطرف الآخر وأدِلتُه.
وهذا الاستجواب التفصيلي والنظر في الأدلة الأخرى لا تتوافق مع قول من يقول بتلقين المتهم، فهذه الأدلة قد تجعل المتهم يقر، وهذا ما لا يرتضيه أصحاب هذا القول.
وورد في المادة الثمانون بعد المائة: تعتمد المحكمة في حُكمِها على الأدلة المُقدمة إليها في أثناء نظر القضية، ولا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمِه، ولا بما يُخالِف علمِه.
ومما يُخالف علمه أنْ يلقن المتهم الإنكار أو ما يدرأ عنه الحد لكي لا يقيم حدَّ اللهِ في أرضِهِ.
أما نظام المرافعات فقد ورد في المادة المائة إلى المادة الثانية بعد المائة أنَّه يجب على المحكمة أن تستجوب الخصوم، وهذا يدل على أنَّ المحكمة مطالبة بالبحث عن الحقيقة؛ بل ورد في المادة الثالثة بعد المائة ما يلي: إذا تخلف الخصم عن الحضور للاستجواب بدون عُذر مقبول أو امتنع عن الإجابة دون مُبرِّر، فللمحكمة أن تسمع البينة، وأن تستخلص ما تراه من ذلك التخلُّف أو الامتِناع.
فاستخلاص شيءٍ من تخلف الخصم أو امتناعِهِ من الحضور ينافي القول بالتلقين.
والإقرار يجب أن يكون أمام القاضي أثناء السير في الدعوى – كما في المادة الرابعة بعد المائة –، ويشترط في صِحة الإقرار، أن يكون المقِر عاقِلاً بالِغًا مُختارًا – كما في المادة الخامسة بعد المائة –.
وليس في هذا النظام ما يشير إلى تلقين المتهم الإنكار أو ما يدرأ عنه الحد؛ بل كل هذه النصوص وغيرها تذكر الإقرار والحرص على التأكد منه، والاستجواب عند وجود الحاجة إلى ذلك، وسماع الأدلة الأخرى والتي تثبت التهمة.
ويتضح لنا من خلال هذه النصوص النظامية أنَّ وليَّ الأمر يمنع من تلقين المتهم – حتى وإنْ كان في المسألةِ من الناحية الفقهية خلافٌ –، ولولي الأمر في مثل هذه القضايا أنْ يختار ما يرى فيه المصلحة، وعلى مَنْ يتولَّى القضاء أنْ يلتزمَ بما رآه ولي الأمر.
هذا ما تيسرت كتابته وتحريره؛ فما كان فيه من صوابٍ فمن الله، وما كان فيهِ من خطإ فمن نفسي والشيطان، وأسألُهُ – تعالى – أنْ يغفر لي ما زلَّ بِهِ القلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـ[عبد الله المزروع]ــــــــ[25 - Oct-2009, صباحاً 12:30]ـ
هذا البحث وإن كانت كتابته قاربت العام إلا أني ما زلت أنظر فيه وأزيد وأنقص، وعرض الموضوع هنا لأستزيد من المناقشات والآراء ... وتأخري في عرضه بسبب أبحاث ومقالات بدأتها ولمَّا أتمها بعدُ!
وما زال هناك مسائل تحتاج إلى بحث؛ فمن يرى تلقين المتهم اختلفوا في التصريح والتعريض ... وهل التلقين يكون من القاضي أو ممن يحضر مجلسه ... إلخ، ولعل الله ييسر بحثها في وقتٍ لاحق.
وهذا هو البحث بين يديك في المرفقات.
¥