ويلاحظ هنا زيادةً على ما تقدم من مطالبة رجل الضبط بتتبع الأدلة والقرائن: أنَّ عليه أن يُبْلِغَ هيئة التحقيق والادعاء العام فورَ انتقالِهِ، ولم يعطِ النظام فرصةً لرجل الضبط للنظر في هل (يستر) على المتهم أو لا؛ بل مباشرةً عليه أنْ يُبْلِغ هيئة التحقيق، كما أنَّه مطالبٌ في هذا الوقت بتتبع الأدلة والقرائن.

وقد تم التأكيد على هذا الأمر – أيضًا – في المادة الثالثة والثلاثون من النظام ذاته.

ومما يؤكد ما سبق هو ما ورد في المادة الرابعة والثلاثون من نظام الإجراءات الجزائية حيث نصَّ على أنه: يجب على رجُل الضبط الجنائي أن يسمع فورًا أقوال المتهم المقبوض عليه، وإذا لم يأتِ بما يُبرِئُه يُرسِلُه خِلال أربع وعشرين ساعة مع المحضر إلى المُحقِّق، الذي يجب عليه أن يستجوب المتهم المقبوض عليه خِلال أربع وعشرين ساعة، ثم يأمُر بإيقافِه أو إطلاقِه.

فأوجبَ النظام على رجل الضبط سماعَ أقوال المتهم، وفي حالة عدمِ إتيانِهِ بما يُبرؤه يحال إلى هيئة التحقيق؛ ولم ينص على أنَّ له الحق في تلقينِهِ بما يدفعُ التهمةَ عنه، ولم يُعطِهِ النظام صلاحيةَ حفظ القضية لعدم كفايةِ الأدلة أو غيرها مما يمكن أنْ يكونَ فيه إشارةٌ إلى ذلك.

وبالنظر – أيضًا – في مشروع اللائحة التنظيمية لنظام هيئة التحقيق والادعاء العام في المادة (الثامنة) الفقرة (1) والتي تنص على الآتي: بالإضافة إلى الاختصاصات المقررة بموجب الأنظمة على رجال الضبط الجنائي كل حسب اختصاصه القيام بما يلي:

أ – إجراء التحريات اللازمة للكشف عما ارتكب من الجرائم، وتعقب مرتكبيها، وجمع عناصر الإثبات فيها.

ب – تلقي البلاغات والشكاوى عن جميع الجرائم، وقيدها فورًا، وتسجيل تفاصيلها في سجل يُعَدُّ لذلك، وفحصها، وجمع المعلومات المتعلقة بها، وإبلاغ المحقق المختص بذلك فورًا.

ج – جمع الاستدلالات اللازمة؛ وذلك باستيفاء جميع القرائن والأدلة والإيضاحات التي تساعد على سهولة التحقيق من المحقق المختص.

وهذه تؤكد على ما سبقت الإشارة إليه فيما يتعلق بمواد نظام الإجراءات الجزائية، وأنَّه ليس من حَقِّ رجل الضبط أنْ (يلقن) المتهم ما يدرأ عنه الحد، ولا يَحِقُّ له (الستر) كذلك.

ـ[عبد الله المزروع]ــــــــ[25 - Oct-2009, صباحاً 12:04]ـ

الفصل الثاني:

تلقين أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام المتهم ما يدرأ عنه الحد.

هيئة التحقيق والادعاء العام منذ إنشائها تقوم على أساس أنها هي الجهة المُخَوَّلَةُ بالتحقيق في الجرائم الجنائية ويدخل فيها جميع الحدود كالزنا والسرقة والردة وغيرها، كما أنَّهُ من المتعارف عليه في نظيراتها في دول العالم أنَّ الهيئة أو النيابة العامة هي جهةُ اتهام وهذا يعطي دلالةً على أنَّ محاولة إيجاد ما يدفع التهمة عن المتهم ليس من اختصاصها سواءً كانَ هذا بتلقين المتهم أو بغيرِهِ.

بل إنَّه بالنظر إلى مسمَّى عضو الهيئة والذي يعمل مباشرةً في التحقيق (محقق) يجد أنَّ من أساس مهامه أنْ يحاول الوصول إلى الحقيقة أيًّا كانت هذه الحقيقة، وأن يقدم هذه الحقيقة للمدعي العام للترافع أمام المحكمة المختصة.

ومع ما تقدم فإننا سنستعرض بعض الأنظمة ذات العلاقة لنستشرف منها ما يَخُصُّ موضوعنا، وهل يَحِقُّ لعضو الهيئة أن يقوم بتلقين المتهم تلميحًا أو تصريحًا أم لا؟

وفي هذا الموضوع تشير المادة الأولى بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية على أنَّهُ: يجب على المُحقِّق عند حضور المتهم الأول مرة في التحقيق، أن يُدوِّنَ جميع البيانات الشخصية الخاصة بِه ويُحيطُه عِلمًا بالتُهمة المنسوبة إليه، ويُثبِت في المحضر ما يُبديه المتهم في شأنِها من أقوال. وللمُحقِّق أن يواجِهَهُ بغيرِه من المُتهمين أو الشهود. ويوقِع المتهم على أقوالِه بعد تلاوتِها عليه، فإذا امتنع أثبت المُحقِّق امتِناعُه عن التوقيع في المحضر.

فهذه المادة والتي تحكي واجب المحقق في القضايا الجنائية أنْ يحيط المتهم بالتهمة المنسوبة له، ويثبت ما يُبْدِيه المتهم في شأنها فقط دون إيحاء أو إيعاز بشيءٍ؛ بل عليه أنْ يواجهه ببقية المتهمين والشهود الذين يشهدون بقيامِهِ بالجرمِ، ومَنْ يَحِقُّ له أنْ يُلقِّن المتهم لا يُطالب بهذه الإجراءات التي قد تدعوه إلى الإقرار أو إثبات التهمة المنسوبة إليه!

بل إنَّ المادة السادسة والعشرون بعد المائة تنصُّ على أنه: إذا رأى المُحقِّق بعد انتِهاء التحقيق أن الأدِلة كافية ضِد المُتهم تُرفع الدعوى إلى المحكمة المُختصة، ويُكلَّف المُتهم بالحضور أمامَها.

فعندما يتضح للمحقق أنَّ المتهم قام بفعل الجريمة بالأدلة الكافية، فيرفع الدعوى مباشرةً، فهذه هي مهمته الموكلة إليه.

ويؤكد هذا ما نصَّ عليه مشروع اللائحة التنظيمية لنظام هيئة التحقيق والادعاء العام في المادة (الخامسة) الفقرة (2): تشمل اختصاصات المحقق البحث عن الأدلة، وجمعها، وتقويمها، والقيام بكل ما يتطلبُهُ التحقيق من إجراءات لجلاء الحقيقة؛ وفقًا للأنظمة والتعليمات وما تقضي به هذه اللائحة.

وهذه الإجراءات لا يُطالب بها إلا من ينبغي عليه البحث عن الحقيقة وإثباتها.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015