بعد أن استكمل الشيخ العلوم الموجودة في البلد تاقت نفسه للمزيد , فشد الرحال بهمة عالية إلى المغرب راكبا المخاطر وقاطعا للفيافي والصحارى الشاسعة ليروى عطشه ويشبع نهمه للعلم وكأنه يستحضر الحديث الشريف:" منهومان لا يشبعان: طالب مال وطالب علم".
قضى الشيخ عدة سنوات فى المغرب ينهل من العلم و صحب أكابر العلماء فيها مثل الشيخ ابى عبد الله محمد بن الحسن بن مسعود البنانى (ت1224هـ) أحد أئمة المذهب المالكي فى المغرب في ذلك التاريخ.
رحلته إلى الحج
توطدت الصلة بين الشيخ و سلطان المغرب آنذاك محمد بن مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل , وكان عالما يكرم العلماء. و لما أراد الشيخ الحج وزيارة قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم جهز له السلطان باخرة تحمله و أرسل معه ابنه اليزيد.
والتقى بأرض الحجاز بكبار العلماء فأفاد منهم واستفاد.
المرور بمصر
مر الشيخ أثناء عودته من الحج بمصر و اتصل بالأزهر ولقى علماءه.
موقفان يدلان على محبة الشيخ للعلم و تعظيمه له
الموقف الأول:
لما مر الشيخ بمصر حصلت بينه صلة مع محمد على باشا , حاكم مصر وقتها , فأتحفه بنجيبة من عتاق الخيل , وهى من النوع النادر الذي لا يملكه إلا السلاطين و الملوك. وكان غرض الأمير محمد على باشا ان يستخدم الشيخ الفرس لتوصله إلى وجهته في يسر وراحة ,غير ان الشيخ , لعلو همته وحبه للعلم وزهده في الدنيا ,أراد شيئا آخر فباع الفرس و اشترى بثمنها كتاب الحطاب و هو أهم شراح مختصر خليل ,أشهر مختصرات المذهب المالكي.
الموقف الثاني
بعد عودة الشيخ إلى المغرب قافلا من الحج أرسل له السلطان محمد بن عبد الله , وهو الذي جهز له باخرة ليحج بها , يستقدمه فأبى الشيخ ذلك قائلا ان العلم يؤتى ولا يأتي. فأمر السلطان الجنود بأن يحملوه إليه على الهيئة التي يجدونه عليها , فوجدوه على سرير يطالع كتابا فحملوه إلى السلطان دون ان يغير شيئا من حالته.
جهاده
كان الشيخ في رحلة للعلم والحج لكنه اغتنم فرصة وجوده في المغرب وعلاقته الطيبة مع السلطان فحمل السلاح وجاهد مع السلطان ضد البرتغاليين.
عودته إلى الوطن
بعد أن قضى الشيخ حوالي عشرين سنة فى طلب العلم بين المغرب والحجاز ومصر , و بعد ان حقق منيته فى الحج و زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم , و جمع فى ذاكرته علوم المشرق والمغرب وبعد ان تشرف بالمشاركة في جهاد أعداء الله والذود عن حمى الدين والأوطان , استهل رحلة الإياب إلى وطنه يحركه شوق أحر من الجمر بعد طول غياب. لكن كما يقول المثل العامي في بلاد شنقيط " الرجل إذا غاب لا يسأل عن طول مكثه إنما عن ثمرة غيابه".
عاد إلى وطنه بعد ر حلة مباركة مثمرة علما وجهادا وطاعة, وكأن الشيخ في طلبه للعلم كان يطبق قول القائل:
أخي لن تنال العلم إلا بستة *سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص و اجتهاد و بلغة *و همة أستاذ و طول زمان
و هكذا كان الشيخ وأكثر.
عاد الشيخ إلى مدينته "تجكجة" ليبدأ مرحلة جديدة من حياته ملؤها العطاء والجد. يبث العلم و يربى المريدين و يصلح شؤون البلاد والعباد ويجاهد لإعلاء كلمة الله ونشر شرعه.
مدرسة الشيخ
أسس الشيخ سيدي عبد الله مدرسة في مدينته ما لبثت ان أصبحت قبلة المتعطشين للعلم من جميع مناطق البلاد , فتخرج فيها الجيل بعد الجيل من العلماء الذين نشروا العلم والمعرفة و رفعوا لواء الدين حيثما توجهوا.
التجديد في مدرسة الشيخ
تميزت مدرسة الشيخ من بين المحاظر (الجامعات الشعبية الموريتانية) , فهي أول مدرسة تم فيها تدريس مادة الأصول , وكذلك اهتمت اهتماما متميزا بمصطلح الحديث و بعلوم البلاغة و البديع والبيان لفهم القرءان والحديث.
و تجلى تميز المدرسة بثورة الشيخ على بعض الثوابت , فمع أن الشيخ مالكي المذهب إلا أنه قد يخالف الإمام مالك في المسألة إذا اتضح له الصواب في غير قول مالك رحمة الله عليه.
زهده وورعه وعبادته
كان الشيخ رحمه الله زاهدا في الدنيا لا يعجبه شيء منها ولا يهتم بها يقول عنه ابنه محمد محمود: كان رحمه الله لا يحب شيئا من الدنيا سوى الكتب فانه يحبها حبا جما.
وكان رحمه الله معلق القلب بالمساجد, يعبد الله آناء الليل وأطراف النهار, كان مواظبا على تلاوة القرءان و كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, يداوم على النوافل كلها و لا يفعل خيرا و يتركه بعد ذلك.
¥