وقال ابن حجر: (يحسن به صوته جاهراً به مترنماً على طريق التحزن ... ولا شك أن النفوس تميل إلى القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم. لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب وإجراء الدمع). [فتح الباري 9/ 72]
فحَملُ هذه الألفاظ على الألحان الموسيقية والاستدلال بها على جواز ذلك خطأ ظاهر، كما ذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
ومن هنا خُصّ داود عليه السلام بما وهبه الله تعالى من الأصوات الجميلة التي يطرب لها كل من سمعها حتى الطيور والبهائم. وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطي داود عليه السلام مزامير، فقال لأبي موسى الأشعري: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» متفق عليه.
ومعلوم أن المزامير جمع مزمار، وهي آلة تُصدر صوتاً جميلاً، فالمزمار صوت لا لحن كما ظنه بعض الناس، وإنما الألحان من صنيع الآدمي بالمزمار، وليست اللذة فيه إلا من حسن ما يُصدره من الصوت، ولذلك يُصنع على كيفية تخرج الصوت الجميل.
وقوله صلى الله عليه وسلم «أوتيت» يدل على أنه من الله تعالى هبة وخصيصة، لا أنه يحصل بالتعلم، وهذا يؤكد أن المراد بالمزامير الأصوات لا الألحان.
قال ابن الأثير في «النهاية»: (وفي حديث أبي موسى سَمِعه النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ فقال: «أُعْطِيتَ مزْمارا من مَزَامِير آلِ دَاودَ». شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ. وداودُ هو النبي عليه السلام وإليه المُنْتَهى في حُسْن الصَّوت بالقراءةِ). [2/ 778]
وقال ابن خلدون: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود» فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها). [تاريخ ابن خلدون 1/ 426]
ولو قُدّر أن المراد بالمزامير الألحان، لم يكن لداود عليه السلام خصيصة، إذ يمكن تعلم هذه الألحان، وهذا يقتضي أن يكون كل من تعلمها حاز مزامير داود عليه السلام، فتسبح معه الطير والجبال، وتخشع البهائم، وهذا لا شك في بطلانه، بل يلزم من هذا أن يكون جميع المطربين اليوم والملحنين الموسيقيين قد أوتوا مزامير داود!!
ومن الناس من فسر المزامير بالألحان أخذاً من قول ابن بطال في شرح البخاري: (وقال ابن عباس: إنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، يلون فيهن، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم).
وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس، بل هو منكر غير ثابت عنه، فقد رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (24/ 46) والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (رقم 1097)، ,والنعالي في «فوائده» (مخطوط: صفحة (3) حديث رقم (6) – نقلاً عن برنامج جوامع الكلم)، والخلدي في «الفوائد والزهد والرقائق والمراثي» (ص 2)، وذكره البرهانفوري في «كنز العمال» (8/ 665) وعزاه لابن زنجويه وابن عساكر وقال: (وفيه فضالة الفرج بن فضالة ضعيف).
كما أن اللفظ الصحيح كما هو في الرواية المُسندة عنه رضي الله عنه: «سبعين صوتاً» وليس فيه «لحناً». والذي يظهر أن ابن بطال إنما نقلها بالمعنى أو من حفظه، وأخذها عنه ابن القيم وابن حجر، لأنهما إنما نقلا عن ابن بطال، فقالا: (قال ابن بطال) ثم ذكرا لفظ «لحناً».
وهذا الأثر إن كان محفوظاً فإنما يدل على أن هذه السبعين التي أعطيها داود عليه السلام أصوات جميلة متنوعة لا ألحان مُتكلفة قابلة للتعليم.
قال وهب بن منبه: (إن الله عز وجل أعطى داود شيئاً لم يعطه غيره، من حسن الصوت من خلقه، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا عَلَى أصناف صوته، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة فكأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزموراً في حلقه). رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (15299).
وهذا من وهب بن منبه توضيح وتفسير في أن الذي أعطيه داود عليه السلام إنما هو الصوت الحسن لا الألحان، ولذلك قال: «وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته»، وقال: «وكان قد أعطي سبعين مزموراً في حلقه».
¥