فلو قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن، وقد استقرأه من ابن مسعود، وقد استمع لقراءة أبي موسى، وقال «لقد أوتى مزماراً من مزامير داود» فإذا قال قائل: إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان، فلا يتغير الحكم بأن يُسمع بالألحان، كان هذا منكراً من القول وزوراً باتفاق الناس). [الاستقامة 1/ 241]
وقد نص ابن خلدون في مقدمته على أن الألحان الموسيقية خارجة عن محل النزاع في القراءة بالألحان قطعاً، وأنه لا خلاف في تحريم القراءة بها، وبيّن امتناع اجتماع القرآن مع الألحان الموسيقية.
فقال: (وقد أنكر مالك رحمه الله تعالى القراءة بالتلحين وأجازها الشافعي رضي الله تعالى عنه، وليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي، فإنه لا ينبغي أن يُختلف في حظره، إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه، لأن القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعين أداء الحروف لا من حيث اتباع الحركات في موضعها ومقدار المد عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك، والتلحين أيضاً يتعين له مقدار من الصوت لا يتم إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين، واعتبار أحدهما قد يخل بالآخر إذا تعارضا، وتقديم الرواية متعين من تغيير الرواية المنقولة في القرآن، فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعتبر في القرآن بوجه، وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدمناه فيردد أصواته ترديداً على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره، ولا ينبغي ذلك بوجه كما قاله مالك، هذا هو محل الخلاف). [تاريخ ابن خلدون 1/ 425]
فإذا عُلم هذا؛ تبيّن خطأ من رخّص في تعلم المقامات الموسيقية بدون آلات وقراءة القرآن بها.
والذي أوجب هذا الخطأ هو حمل كلام العلماء على غير محمله، وفهمه على غير مرادهم، إذ فهم بعض الناس من لفظ التغني والغناء والترنم والطرب ما هو دارج في عرف العامة اليوم من غناء أهل الفسق وطربهم بالآلات الموسيقية ونحو ذلك، وهذا خطأ كبير أن تُحمل ألفاظ ونصوص الكتاب والسنة على ما شاع بين الناس من المعاني المتعارف عليها. بل يجب تفسير النصوص بما دلت عليه النصوص الأخرى وبما هو معروف من لغة العرب لا بما هو منصرف إليه من المعاني في عرف عامة الناس.
ومن ذلك ما فهمه بعض الناس من قول ابن حجر في «الفتح»: (ومن جملة تحسينه –أي القرآن- أن يُراعى فيه قوانين النغم). ففهم من لفظ «النغم» الأنغام الموسيقية.
والحقيقة أن ألفاظ التغني والتطريب والنغم والترنم كلها تدور حول تحسين الصوت والجهر به.
قال في «تاج العروس» في معنى «الغناء»: ((والغِناءُ، ككِساءٍ؛ من الصَّوْتِ: ما طُرِّبَ به) قالَ حُمَيْدُ بنُ ثَوْر: وعَجِبْتُ به أَنَّى يكونُ غِناؤُها، وفي الصِّحاح: الغِناءُ، بالكسْرِ، من السماعِ. وفي النِّهايةِ: هو رَفْعُ الصَّوْتِ وموالاته. وفي المِصْباح: وقيِاسُه الضَّم لأنَّه صَوْتٌ).
وقال أيضاً في معنى «التطريب»: (والتَّطْرِيب في الصَّوْت: مَدُّهُ وتَحْسِينُه. وطَرَّبَ في قِراءَته: مَدَّ ورجَّعَ وطرَّبَ الطَّائِرُ في صَوْتِه كَذَلِكَ، وخَصَّ بَعْضُهُم بِهِ المُكَّاءَ. وفُلَانٌ: قَرأَ بِالتَّطْرِيب).
وقال في معنى «الترنم»: ((و) الرَّنَم (بالتَّحْرِيك: الصَّوتُ). وقد رَنِم بالكَسْر: إذا رَجَّع صَوْتَه كما في الصحاح، (والرَّنِيم والتَّرْنِيم: تَطْرِيبُه) كما في المُحْكَم، وقال الجوهريّ: والتَّرْنِيم: تَرْجِيعُ الصَّوت).
وقال في معنى «النغم»: (النَّغَمُ: مُحَرَّكَةً، وتُسَكَّنُ: الكَلاَمُ الخَفِيُّ، الوَاحِدةُ بِهَاءٍ)، قَالَ شَيْخُنَا: فَمُفْرَدُهُ تابَعٌ لِجَمْعِه في الضَّبْطِ، انتهى، وفُلاَنٌ حَسَنُ النَّغْمَةِ، أي: حَسَنُ الصَّوْتِ في القِرَاءَةَ، كَمَا في الصَّحَاحِ).
وعلى هذا فالتغني والتطريب والترنم والنغم كلها ألفاظ تدل على تحسين الصوت وترجيعه، ومنه سمي الغناء غناءاً.
وأقوال أهل العلم في تفسير هذه الأحاديث كلها تدور حول هذه المعاني.
قال ابن جرير: (معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع صوته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه). [شرح ابن بطال 10/ 260]
¥