أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم «لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً» والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستعملونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرءوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له). [1/ 470]
كما نقل اتفاق السلف على منع القراءة بألحان الموسيقى وأهل المجون أبو عبيد القاسم بن سلام قرين الإمام أحمد وغيره من الأئمة كما نقله ابن رجب حيث قال:
(قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد به الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق، وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعاً، ولم يُثبت فيه نزاعاً؛ منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيّج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنّة بتحسين الصوت بالقرآن لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد). [نزهة الأسماع ص70]
وقوله: (رخص فيه بعض المتقدمين) لا يدل على ثبوت ذلك عنهم نصاً، ولعله حُكي عنهم، أو فسره بعض من تأخر بذلك، وإلا فإنه لا يوجد نص صريح عن أحد من المتقدمين بجواز قراءة القرآن بألحان أهل الغناء والموسيقى، ويدل عليه ما حكاه أبو عبيد وغيره من الإجماع ونفي الخلاف، وقد سبق النقل عن ابن القيم ما يؤكد هذا المعنى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له جميل حول السماع الصوفي بألحان الغناء: (وهذا القرآن الذي هو كلام الله وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحسين الصوت به، وقال «زينوا القرآن بأصواتكم»، وقال لأبي موسى «لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك» فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً. وكان عمر يقول: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ويجهر به»، وقال «لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته»، ومع هذا فلا يسوغ أن يُقرأ القرآن بألحان الغناء، ولا أن يُقرن به من الألحان ما يُقرن بالغناء من الآلات وغيرها، لا عند من يقول بإباحة ذلك، ولا عند من يحرمه، بل المسلمون متفقون على الإنكار لأن يُقرن بتحسين الصوت بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير، وباليد كالغرابيل.
¥