ولما مات علاء الدين ابن الأطروش محتسب القاهرة، كان بيده قضاء العسكر، فسأل الهندي شيخو فيه، فامتنع وأعطاه إقطاعا جيدا، فتوجه الهندي إلى صرغتمش وسأله فولاه، فشق ذلك على شيخو، ثم قتل شيخو فعظمت منزلة الهندي عند صرغتمش وعند السلطان حسن، فلما امسك صرغتمش عمل الهرماس على الهندي، وقال للجمال التركماني: إن السلطان رسم بعزل الهندي فعزله، فتغير خاطره من القاضي، وهجره وأقام بمنزله والناس يترددون إليه ويقرؤون عليه، ويلازمون درسه والأخذ عنه.

ثم قربه السلطان حسن، وصار هو وابن النقاش يلازمانه ويركبان معه السرحات، ويدخل القاهرة وهما معه، ورتب لهما الرواتب العظيمة، فاتفق أن الهرماس حج سنة 760هـ فتمكن الهندي وابن النقاش من الطعن عليه عند السلطان، وأطلعاه على أحواله، إلى أن تغير عليه، وامتحن المحنة المشهورة، فتمكن الهندي، ثم خمل وانحطت رتبته عند يلبغا لما امسك الناصر السلطان حسن مدة يلبغا، إلى أن قتل يلبغا.

ثم لما ولي الأشرف تقدم عند الجاي اليوسفي وغيره، منهم: منكلي بغا الشمس، وأمير علي المارديني، وبغا البوبكري، وأرغون شاه وغيرهم، وقرر في قضاء الحنفية بعد جمال الدين التركماني استقلالا سنة 769هـ.

وعمر حينئذ داره التي برحبة العيد.

ولما مات البسطامي سنة 771هـ أضيف إليه تدريس التفسير بجامع ابن طولون.

وتكلم في أوقاف الشافعية لما ولي الجاي اليوسفي نظر الأوقاف، وتكلم أيضا في نظر جامع ابن طولون، واستعاد وقف الطرحي من نقيب الأشراف بمساعدة الجاي، لأن نظره بشرط الواقف للحنفي، فلما حضر معه استعرض الدروس في الجامع الطولوني وبالمدرسة الأشرفية وضيق عليهم، فقام الهندي في ذلك قياما عظيما، وأغلظ له القول حتى قال: إقطاعك يبلغ ألفي درهم، وتستكثر على الفقيه المسكين هذا القدر، فقال: أنا آخذ الإقطاع لحفظ بلاد المسلمين، فقال الهندي: ومن علمكم الجهاد إلا الفقهاء؟. فسكت وترك كل أحد على حاله. انتهى

وقد ذكر هذه القصة المقريزي بأوضح من هذا فقال: كانت همته عالية، ونصرته للشرع معروفة، وكان يخاطب أرباب الشوكة بالألفاظ الخشنة، وقضيته مع الأمير الجاي اليوسفي مشهورة: وهو أن الأمير الجاي تكلم في نظر الأوقاف، واستدعى الفقهاء وعرضهم وشدد عليهم، فركب له قاضي القضاة سراج الدين هذا وتوجه إلى عنده، وكلمه بسبب ذلك وأغلظ له في القول، وقال له: إقطاعك يعمل في السنة ألف ألف درهم ما تستكثر عليك، وتستكثر أنت على الفقيه المسكين خمسة هنا وعشرة هنا.

فقال الجاي اليوسفي: أما أخذي الإقطاع فإنه دية رقبتي في الجهاد وحفظ المسلمين وغير ذلك، فقال له القاضي في ذلك الجمع العظيم من القضاة والعلماء والأعيان، وكلهم سكوت مهابة لألجاي، لمعرفتهم بعظيم سطوته: بمائتي درهم نشتري بها مملوكا يقوم هذا المقام عوضك، ومن أين تعرفوا الجهاد والإسلام إلا منا، ولولا نحن ما كنتم مسلمين.

وهذا الكلام كله من القاضي وهو منزعج ومغضب، ولا زال القاضي يتكلم حتى كف الجاي عن الكلام، وأخذ يتلطف بقاضي القضاة المذكور، وسكت من يومئذ عن الفقهاء، وأبطل عرضهم والتعرض إليهم بالجملة الكافية، فشكر الناس له ذلك ولهجوا له بالدعاء في قيامه لمثل هذه القضية وحده، من غير مساعدة من أحد من رفقته بالكلمة الواحدة، فرحمه الله تعالى، فوا أسفا على من يكون مثل هذا القاضي في زماننا هذا الخبيث. انتهى

وقال غيره: لما ولي، قدم الشاميين على المصريين في النيابة، وولى جماعة منهم نيابته بأماكن متفرقة، وكان في هذه السنة قد تكلم مع أهل الدولة واستنجز توقيعا بأن يلبس الطرحة، ويولي القضاة في الديار المصرية قبليا وبحريا شريكا للقاضي الشافعي، ويجعل له مودعا لأيتام الحنفية، فحصل له مرض وطال به، فاعتل واشتغل بنفسه، ولم يتم له ذلك. انتهى

قال ابن حجر: وكان واسع العلم، كثير الإقدام والمهابة، وكان يتعصب للصوفية الاتحادية، وعزر شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة لكلامه ووقيعته في ابن الفارض. انتهى

كانت ولايته نحو أربع سنين، واستمر قاضيا نحو خمسة عشرة سنة إلى أن توفي.

وهو صاحب الدار التي برحبة العبد.

سمع منه الصدر الياسوفي، وعز الدين ابن جماعة وغيرهم.

قال المقريزي: وأجاز لي، وكتب خطه برواية جميع ما تصح له روايته من مسموعاته ومؤلفاته، وكتب لي ذلك في جمادى الآخرة سنة 771هـ في استدعاء.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015