وقال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -في (تلبيس إبليس) 1/ 316: (والتصفيق منكر يطرب ويخرج عن الاعتدال وتتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية وهي التي ذمهم الله - عز وجل - بها فقال وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فالمكاء الصفير والتصدية التصفيق) اهـ.

# الوجه الثاني: أنه في باب التشبه بالكفار لا تكاد تجد مسلما يقصد في ما وقع فيه من التشبه نفس قصد الكفار، ولا يوجد في الشرع اشتراط هذا الأمر، فلو اشترطنا أنه لا يحرم التشبه بالكفار في ظواهرهم إلا مع وجود القصد لألغينا كثيرا من نصوص السنة التي تنهى عن ذلك، والنتيجة باطلة فمقدمتها باطلة أيضا، وقد قال شيخ الإسلام - رحمه الله - أيضا (الاقتضاء 1/ 491) -في ذكر بعض أنواع التشبه-:

(ما كان في الأصل مأخوذا عنهم (أي عن الكفار) إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يبتلى به العامة) ثم ذكر حكمه وتحريمه-.

# قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - (إغاثة اللهفان) 1/ 244:

(والمقصود أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء- يعني مشركي قريش- ولو أنه مجرد الشبه الظاهر فلهم قسط من الذم بحسب تشبههم بهم وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم والله - سبحانه - لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح لئلا يتشبهوا بالنساء فكيف إذا فعلوه لا لحاجة وقرنوا به أنواعا من المعاصي قولا وفعلا) انتهى.

# الوجه الثاني من الأوجه الدالة على منع التصفيق:

أن التصفيق بالإضافة إلى كونه هديا للكفار الأوائل في عبادتهم، فهو من هدي للكفار المعاصرين أيضا في عاداتهم، فإنهم إذا استحسنوا شيئا أو أعجبوا به أو أرادوا تشجيعه قاموا بالتصفيق والتصفير، وما انتقل للمسلمين في هذه الأزمان على هذه الهيئة إلا منهم.

وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن التشبه بهم من أشهرها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من تشبه بقوم فهو منهم).

وقد قال شيخ الإسلام في (الاقتضاء) (1/ 83):

(وهذا الحديث أقل أحواله يقتضي يحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله - تعالى - (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)) اهـ.

وقال أيضا عن الحديث في (الاقتضاء) 1/ 181: (موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقا) اهـ

# قال شيخ الإسلام ابن تيمية (11/ 565)

(وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بدف ولا يصفق بكف بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال (التصفيق للنساء والتسبيح للرجال) و (لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء) ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثا ويسمون الرجال المغنين مخانيثا وهذا مشهور في كلامهم) اهـ.

# وقال ابن حجر في (الفتح) 3/ 77:

(ومنع الرجال من التصفيق لأنه من شأن النساء) اهـ

وقال العز بن عبد السلام قواعد الأحكام 2/ 186: (وقد حرم بعض العلماء التصفيق لقوله - عليه السلام - (إنما التصفيق للنساء) و (لعن - عليه السلام - المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء) اهـ

وقال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس) 1/ 316:

(وفيه-يعني التصفيق- أيضا تشبه بالنساء والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار إلى أفعال الكفار والنسوة) انتهى.

وقال ابن حجر الهيتمي في (كف الرعاع) ص298: (وعبارة الحليمي يكره التصفيق للرجال فإنه مما يختص به النساء وقد منعوا من التشبه بهن كما منعوا من لبس المزعفر لذلك اهـ، وقال الأذرعي: وهو يشعر بتحريمه على الرجال) انتهى.

وقال الشوكاني في (النيل) 3/ 182

(قوله أكثرتم التصفيق ظاهره أن الإنكار إنما حصل لكثرته لا لمطلقه ولكن قوله (إنما التصفيق للنساء) يدل على منع الرجال منه مطلقا) انتهى

# الوجه الخامس من الأوجه الدالة على منع التصفيق:

أنه مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فإنه لم ينقل عنهم مطلقا أنهم كانوا إذا استحسنوا شيئا صفقوا، بل إما أن يعبروا عن استحسانهم للشئ بالقول، أو بالتكبير وذكر الله، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

ما في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال (أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة)، فكبرنا، ثم قال (إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة).

وفي الصحيح وغيره عن أسماء بنت أبي بكر في قصة ولادة عبد الله بن الزبير وكان أول من ولد في الإسلام بالمدينة مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت اليهود تقول قد سحرناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد ذكر وفي بعض الروايات (فكبر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ولد عبد الله تكبيرا حتى ارتجت المدينة).

وفي قصة إسلام عمر المشهورة في السير قال عمر لما طرق باب دار الأرقم: ولم يعلموا بإسلامي فما اجترأ احد منهم أن يفتح لي حتى قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (افتحوا له فإن يرد الله به خيرا يهده) قال: ففتح لي الباب، فأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أرسلوه) فأرسلوني، فجلست بين يديه، فأخذ بمجامع قميصي، ثم قال (أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده) فقلت (أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله) قال (فكبر المسلمون تكبيرة سمعت في طرق مكة).

وفي الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا (بينما راع في غنمه عدا الذئب فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع ليس لها راع غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، فقال: فإني أومن به وأبو بكر وعمر).

وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة) (زاد أبو داود فكبر الناس وضجوا)).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015