ومما يمكن أن يستأنس به لقول الجمهور ما رواه البخاري (4796) ومسلم (1445) عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: لا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي؟ عَمُّكِ! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ! فَقَالَ: ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ.
و مع هذا فالحديث ليس حجة لأن قولها رضي الله عنها "بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ" ظاهر معناه أنه كان بعد نزول آية الحجاب التي في سورة الأحزاب و لكن لا يلزم أن يكون بعد نزول آية الزينة في سورة النور لأن نزولها متأخر عن سورة الأحزاب فالاحزاب نزلت في السنة الثالثة من الهجرة و النور بين الرابعة و الخامسة
و أيضا المدلول مختلف لأن آية الحجاب في الاحتجاب داخل المساكن و ليس فيها كشف الزينة و الحديث غاية ما فيه أنه يبيح دخول العم و الخال على المرأة في بيتها لكن ليس فيه جواز أن تبدي زينتها أمامه فيسمح له أن يدخل عليها و يخلوا بها و هي مختمرة و غير كاشفة لزينتها
فقد ذكر القرطبي في تفسيرقوله تعالى "لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ" الآية:
لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت هذه الآية.
ذكر الله تعالى في هذه الآية من يحل للمرأة البروز له , ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين. وقد يسمى العم أبا , قال الله تعالى: " نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل " [البقرة: 133] وإسماعيل كان العم. قال الزجاج: العم والخال ربما يصفان المرأة لولديهما , فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما الرؤية. وقد كره الشعبي وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها. وقد ذكر في هذه الآية بعض المحارم وذكر الجميع في سورة " النور "
إهـ
و هناك وجه آخر يتقوى به مدلول الحديث في تأييد رأي الجمهور و هو أن في سورة الأحزاب أيضا ذكر لمن يجوز للمرأة أن لا تحتجب منهم و هو قوله تعالى " لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً " الأحزاب/55 فيفهم منه أن العم و الخال لهم حكم الآباء هنا إذن لهم حكم الاباء أيضا في سورة النور
و لكن هذا فيه مشكل أيضا و هو
إن إعتبرنا كل ذكر للآباء يشمل الأعمام فيلزم منه جواز كشف المرأة زينتها أمام عم أو خال زوجها و هذا لم يقل به من أجازوا كشف زينتها أمام عمها أو خالها
فطالما لم يشمل لفظ الاباء العم و الخال بالنسبة للزوج فلا يشمل بالتالي العم و الخال أيضا بالنسبة للمرأة
إلا أن يقال يعمل بمفهوم الموافقة هنا كما قال السعدي "إذا لم يحتجبن عَمَّن هُنَّ عماته وخالاته من أبناء الإخوة والأخوات مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهم عن عمهن وخالهن من باب أولى"
على أي حال فمن أخذ بقول الجمهور فهو قول له حظ من النظر و من أراد أن يحطاط و يأخذ بالمنطوق فقط فخير إن شاء الله
فإن لم يكن .....
فليكن القول: أنه لا يجوز للمرأة إظهار زينتها لأب الزوج من الرضاعة لأنه ببساطة ليس ممن أباح الله للمرأة إظهار زينتها له طبقاً لما جاء بسورة النور - بصرف النظر عن كونه من المحارم أو لا والله أعلم.
أما بالنسبة لأب الزوج فأرى أنه خارج عن محل النزاع لأن أب الزوج ذكر في آية إبداء الزينة في سورة النور في قوله تعالى "أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ"
و طالما إعتبرنا أنه لا فرق بين كونه أبا بالنسب أو بالرضاع فكلاهما في هذه الحالة يسمى أبا و يترتب عليه أن الأب من الرضاع أبا تشمله الآية و الله تعالى أعلم