هَذَا رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ مَعْرِفَة الْوِكَاء وَالْعِفَاص تَتَأَخَّر عَلَى تَعْرِيفهَا سَنَة، وَبَاقِي الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي تَقْدِيم الْمَعْرِفَة عَلَى التَّعْرِيف فَيُجَاب عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ هَذِهِ مَعْرِفَة أُخْرَى، وَيَكُون مَأْمُورًا بِمَعْرِفَتَيْنِ، فَيَتَعَرَّفهَا أَوَّل مَا يَلْتَقِطهَا حَتَّى يَعْلَم صِدْق وَاصِفهَا إِذَا وَصَفَهَا، وَلِئَلَّا تَخْتَلِط وَتَشْتَبِه، فَإِذَا عَرَّفَهَا سَنَة وَأَرَادَ تَمَلُّكهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّفهَا أَيْضًا مَرَّة أُخْرَى تَعَرُّفًا وَافِيًا مُحَقَّقًا، لِيَعْلَم قَدْرهَا وَصِفَتهَا فَيَرُدّهَا إِلَى صَاحِبهَا إِذَا جَاءَ بَعْد تَمَلُّكهَا وَتَلَفهَا، .. ) أهـ 6 - 157

الثاني: أن القصة واحدة وجمع الرويات إنما يصح لو كانتا حادثتين مختلفتين ولفظ ثم لم تفد هنا الترتيب لأنها علي قول الحافظ قد تأتي بمعني الواو وبالتالي لا يحتاج هنا إلي الجمع وهذا قول الحافظ رحمه الله قال في الفتح بعد أن حكي توجيه النووي رحمه الله مختصرا قال:

(قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " ثُمَّ " فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِمَعْنَى الْوَاو فَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَقْتَضِي تَخَالُفًا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَمْعِ وَيُقَوِّيه كَوْن الْمَخْرَج وَاحِدًا وَالْقِصَّة وَاحِدَة وَإِنَّمَا يُحَسِّنُ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَخْرَج مُخْتَلِفًا** فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ الْغَرَض إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّف وَالتَّعْرِيف مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَيِّهِمَا أَسْبَق.) أهـ 7 - 322

** في رواية البخاري: فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ – (2284) وهي في قصة أبي ابن كعب بخلاف هذه الرواية وهي رواية خالد بن زيد الجهني فالسائل فيها أعرابي وهو بخلاف أبي بن كعب ولا شك وحقق الحافظ في الفتح أنه زيد الجهني والد خالد صاحب الرواية فقال رحمه الله:

ثُمَّ ظَفِرْت بِتَسْمِيَةِ السَّائِلِ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيّ وَالْبَغَوِيّ وَابْن السَّكَنِ وَالْبَارُودِيّ وَالطَّبَرَانِيّ كُلّهمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّد بْن مَعْن الْغِفَارِيّ عَنْ رَبِيعَة عَنْ عُقْبَة بْن سُوَيْد الْجُهَنِيّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ أَوْثِقْ وِعَاءَهَا " فَذَكَرَ الْحَدِيث.

قلت: مازلنا نغرف من بحور علومهم فرحم الله علمائنا وأسكنهم فسيح جناته آمين.

ــــــــــ

وأما الوكاء فهو رباط القربة ونحوه كالوعاء.

قال في القاموس المحيط:

الوِكاءُ، ككِساءٍ رِباطُ القِرْبَةِ وغيرِها، وقد وَكاها وأَوْكاها، و عليها، وكلُّ ما شُدَّ رأسُه من وِعاءٍ ونحوِهِ وِكاءٌ. أهـ 3 - 486

والعفاص كما قال أهل اللغة هو الوعاء ونحوه

قال الجوهري في الصحاح في اللغة:

العِفاصُ: جلدٌ يُلْبَس رأس القارورة. وأما الذي يدخل في فمها فهو الصمام وقد عفصت القارورة: شددت عليها العِفاصَ.1 - 481 ونحوه قاله الرازي في مختار الصحاح.

وليس هو الرباط الذي يربط به كما روي عن بعضهم ورده صاحب المنتقي قال: وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم اعْرَفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْعِفَاصُ الْخِرْقَةُ وَالْخَرِيطَةُ وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَعَنْ أَشْهَبَ فِي النَّوَادِرِ الْعِفَاصُ وَالرِّبَاطُ وَالْوِكَاءُ مَا فِيهِ اللُّقَطَةُ مِنْ خِرْقَةِ، أَوْ غَيْرِهَا وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْوِكَاءَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا يُرْبَطُ بِهِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم قَالَ لَهُ اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا فَجَعَلَ مَكَانَ الْعِفَاصِ الْوِعَاءَ وَأَثْبَتَ الْوِكَاءَ الَّذِي يُوكَأُ بِهِ الْوِعَاءُ فَصَحَّ أَنَّهُ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ.) أهـ 4 - 66

قلت: وفي الحديث (الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ ,,) وهو عند ابن ماجة وحسنه في الإرواء وأعله ابن أبي حاتم وحسنه النووي في الخلاصة وضعفه الحافظ في بلوغ المرام وأنظر نصب الراية وعلل ابن ابي حاتم ومراسيل أبي داود.

والشاهد منه ماقاله في حاشية السندي علي سنن ابن ماجة:

جَعَلَ الْيَقَظَة لِلْإِسْتِ كَالْوِكَاءِ لِلْقِرْبَةِ كَمَا أَنَّ الْقِرْبَة مَا دَامَتْ مَرْبُوطَة بِالْوِكَاءِ اِخْتِيَار صَاحِبهَا كَذَلِكَ الْإِسْت مَا دَامَ مَحْفُوظًا بِالْعَيْنِ أَيْ الْيَقَظَة بِاخْتِيَارِ الصَّاحِب ... ) أهـ1 - 422

وفي زوائد المسند أيضاً وقع: وخرقتها بدلا وعفاصها قاله الحافظ رحمه الله.7 - 322 والله تعالي أعلم بالصواب.

وفي رواية عند البخاري لآبي بن كعب: فَقَالَ احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا.

فزاد في هذه الرواية عددها وهذا إن كانت مما يمكن عده وإلا فبالكيل والوزن وبما يمكن وصفه به قال الحافظ رحمه الله:

وَالْغَرَضُ مَعْرِفَة الْآلَاتِ الَّتِي تَحْفَظُ النَّفَقَةَ. وَيَلْتَحِقُ بِمَا ذُكِرَ حِفْظ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ وَالْكَيْلِ فِيمَا يُكَالُ وَالْوَزْنِ فِيمَا يُوزَنُ وَالذَّرْع فِيمَا يُذْرَعُ. الفتح -7 - 322

وهذا الذي يظهر إذ المقصود المصلحة قال الحافظ في الفتح:

وَتِلْكَ الْمَصْلَحَة تَحْصُلُ بِحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْخَوَنَةِ وَتَعْرِيفِهَا لِتَصِلَ إِلَى صَاحِبِهَا. أهـ والله تعالي أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015