فيما يظهر من غالب كلام أهل العلم أن عمدة كلامهم هو ما جاء في الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا قَالَ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ قَالَ مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا. خ 2199 م 3247 ورواه مالك وغيره وله روايات عدة لعلها تأتي مع الشرح.
قلت: ولأهل العلم في تتبع الحديث مسالك سأذكر بحوله وقوته بعضها مختصراّ ثم أذكر ما يطمئن القلب إليه في تحرير القول بمشيئته تعالي.
قد بينا بحوله وقوته مسالك أهل العلم في التقاط اللقطة أو أخذها بغض النظر عن الإنتفاع بها أم لا وهذا ما سنحرره فيما بعد بإذنه تعالي ربما في المسئلة الثالثة أو التي تليها لكن يجدر بنا هنا أن نبين مسالكهم ووجهاتهم في النص ثم التحرير بإذنه تعالي فيما هو مطلوب علي الملتقط فعله حتي تبرأ ذمته من اللقطة هذه أو من حق أخيه وجامعها في بذل الجهد في إيصال اللقطة إلي صاحبها. أو أن يفعل ما يغلب علي ظنه أن يكون هذا داعياً إلي تعريفها لمالكها.
وهذه المسئلة عمدتها قوله صلي الله عليه وسلم كما في الصحيحين: فَقَالَ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ... الحديث)
فعلي هذا أن علي اللاقط أمرين:
- معرفة العفاص والوكاء وعددها كما جاء في بعض روايات البخاري.
- تعريفها سنة علي المشهورعلي ماسيأتي بإذنه تعالي قريباّ.
(معرفة العفاص والوكاء والعدد)
فيه قوله اعرف عفاصها ووكاءها:
أي احفظ هاتين العلامتين حتي إذا عرفتهما وجاءك من يدعي ملكها فليخبرك بهما فإذا صدق وصفه فادفعها إليه وفي ذلك مسائل ستأتي قريباً بإذنه تعالي.
قال في المنتقي:
وَقَوْلُهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً مَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَحْفَظَ صِفَةَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَيَكْتُمُ ذَلِكَ لِيَنْفَرِدَ بِحِفْظِهِ وَفِي النَّوَادِرِ لِابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا وَلَا يَقُولُ مَنْ يُعَرِّفُ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ عَرْضًا لَكِنْ يُعَمِّي ذَلِكَ لِئَلَّا يَأْتِيَ مُسْتَحِلٌّ فَيَصِفَهَا بِصِفَةِ الْمُعَرِّفِ فَيَأْخُذَهَا وَيُبَيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا وَلَمْ يَقُلْ ثُمَّ عَرِّفْ بِذَلِكَ وَلَا أَبْرِزْهَا وَأَظْهِرْهَا، وَلَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى حِفْظِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ وَلَأَغْنَى عَنْ ذَلِكَ إظْهَارُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .. ) أهـ 4 - 66.
وقد جاء في بعض روايات البخاري: فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَالَ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا .. الحديث.2249. وهو واضح الدلالة علي ما بيّنا.
تنبيه: في الرواية الأخيرة هذه قدم التعريف علي الحفظ فقال: عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها , وفي سابقتها اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة!!
قلت: ليس فيما سبق إشكال أو كثير فائدة من الوقوف عندها إلا طرحا عن السنة وذاك علي مخرجين:
الأول: الجمع بينهما بأن يكون مطلوباّ منه أن يتعرف عليها مرتين وجمع الروايات أولي من أهمالها كما هو مقرر والقصد أن يعرِّفها عند التقاطها مرة حتي إذا وصفها صاحبها فهي له ويعرفها مرة عند مرورها سنة علي تعريفها عند إرادة الإنتفاع بها حتي إذا جاء صاحبها ردها إليه وهذا ما نحى إليه النووي في شرحه قال:
¥