ترك السنة ليس على اطلاقه انما هو تقدير لحال الناس فان علم الانسان ان اظهار السنة سيحدث فتنة او سينفر الناس فالاولى تركها امام الناس (و ليس اللحية من السنة فلا نقول انه يترك الواجب) إلى أن يتألف قلوب الناس فيعرفوا ان هذه سنة فيتبعوه عليها.
و لا نعني بهذا انك تأتي الحرام هذا ممنوع شرعا إنما تترك المندوب من اجل الواجب و هو ذرء الفتنة فهنا لا بد من قياس الامور و المواقف و تقدير المصالح فلو كان في ترك السنة اتيان واجب كان اتيان الواجب اولى من الاتيان بالسنة.
قال العثيمين رحمه الله: ينبغي للإنسان أن يمهد لها تمهيداً يتألف به الناس قبل أن يظهرها لهم ويفعلها ولا يدعها ولكنه إذا خاف من نفور الناس فإنه يمهد لذلك ويدعوهم بالحكمة حتى يطمئنوا بها وتنشرح بها صدورهم وأما ترك السنة مراعاة لهم فهذا لا ينبغي أو ابتداع شيء في دين الله مراعاة لهم فهذا أمر لا يجوز.
فلا بد من السياسة في اظهار السنن فتعليم الناس لا يبدأ من المندوب قبل الواجب و هذا من فقه الدعوة التي لا يتقنها الكثيرون للاسف.
هذا هو الهدي النبوي هدي الرسول عليه الصلاة و السلام، الم ترو ان الرسول عليه الصلاة و السلام كان يترك السنن امام الصحابة خوفا ان يشق عليهم فكانت عبادته بين العامة ليست كذلك مع اصحابه او عند دخوله بيته.
و هذا ايضا لا بد ان يراعيه طالب العلم فلا يبدي التعبد الصعب ان ظن ان من معه سيحرج و يقلده في تعبده فيثقل عليه دون ان يشعر.
و نلخص كل هذا انه لا بد من فهم المصالح و المفاسد لكي لا يحدث احد مفسدة عظيمة لكي يأتي منفعة قليلة.
الم ترو ان الله سبحانه و تعالى شدد في الخروج على الحكام (رغم انهم يؤخرون الصلاة عن وقتها) كي لا تحدث فتنة يكثر فيها القتل فان كان هذا في الصلاة و هي عماد الدين فما بالكم في ما هو سنة.
و كم نحتاج من العلماء ان يوسعوا و يبسطوا في هذه المسألة فكم من ناس نفرت من الدين بسبب بعض المبتدئين الذين ارادوا تطبيق السنن بالقوة على الناس فجعلوهم ينفرون من سنة سيد الخلق عليه الصلاة و السلام.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ...
قال البخاري (رحمه الله): باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله وتأمل قول علي رضي الله عنه: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، فإن من لا يحسن خطاب الناس بما يفهمونه ويعونه، كأنما يدفعهم بأسلوبه إلى تكذيب الله تعالى، وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يظن أنه يقيم عليهم الحجة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الشاطبي: " ومنه أن لا يذكر للمبتدي من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها إن كانت صحيحة في نظر الفقه ".
قال: " ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه، وحكم التشريعات، إن كان لها علل صحيحة، وحكم مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة (رضي الله عنها) على من قالت: لم تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: أحرورية أنت؟ وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالا وفتنة، وإن كان صحيحا. . . وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها، ولا حدث بها ".
وقال: " وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على الحقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية.
وكلام الشاطبي رحمه الله وإن كان بالنسبة للكلام على الفرق فهو يصلح أن يكون قاعدة للواعظ، والخطيب، والمعلم وغيرهم. وقد قال: ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره. . . فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص "
و السلام عليكم و رحمة الله