قال الشيخ العثيمين رحمه الله: الفرق بين المنهيات والمأمورات: أن المنهيّات قال فيها: فَاجْتَنِبُوهُ ولم يقل ما استطعتم، ووجهه: أن النهي كف وكل إنسان يستطيعه، وأما المأمورات فإنها إيجاد قد يستطاع وقد لا يستطاع، ولهذا قال في الأمر: فأتُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ ويترتب على هذا فوائد نذكرها إن شاء الله تعالى في الفوائد، لكن التعبير النبوي تعبير دقيق.

إلا انه قد تتقاسم الواقعة العديد من الاحكام كأكل الميتة مثلا عند الاضطرار

فهنا قاعدتان الأولى أن اكل الميتتة حرام و الثانية ان حفظ النفس واجب

عند تعارض حكمين في نفس الواقعة فلا بد من تطبيق احدهما لاستحالة تطبيق الحكمين في آن واحد و هنا ندخل في فقه الأولويات.

قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: الآية119)

و قال (فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم. فان اللّه غفور رحيم) (6).

ففهمنا من هذه الايات انه عند الاضطرار ذرء المفسدة اولى من جلب المنفعة فيقدم حفظ النفس على حفظ الدين مثلا لقوله تعالى: الا من استكره وقلبه مطمئن بالايمان.

و يقدم اتيان الواجب على الاتيان بالمندوب و هكذا، اول من كتب في هذه المقاصد هو الامام الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات.

و المتأمل في الشريعة يجد التدرج في تطبيق الاحكام لذلك حرمت الخمر على مراحل و كذلك فعل عمر بن عبد العزيز بتطبيق الشريعة بحكمة على مراحل حتى يتألف قلوب الناس و لا يرفضونها جملة.

كذلك سنت الشريعة اسباب و موانعا لتطبيق الاحكام حتى تحفظ الاولويات فنجد تعطيل قطع يد السارق في الحرب و ابطال الحدود في دار الكفر و غير ذلك كثير.

و من اكبر ما شددت فيه الشريعة هو احداث الفتنة قال تعالى:

والفتنة أكبر من القتل

و قال و الفتنة اشد من القتل.

لذلك ترك الرسول عليه الصلاة و السلام اعادة بناء الكعبة على ما بناها سيدنا ابراهيم عليه السلام لان قومه حديثي عهد بالجاهلية و كذلك منع امورا في بداية عهد الاسلام ثم اجازها في نهايته خوفا من احداث الفتن و ان ينفر الناس من الدين.

و حديث معاذ رضي الله تعالى عنه مشهور في هذ الباب: عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ أفتّان أنت، ثلاثا، اقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها أخرجه الشيخان.

فانظر لهدي الرسول عليه الصلاة و السلام رغم ان الاطالة في الصلاة من الهدي النبوي إلا انه امره ان لا يفتن الناس.

و كذلك فهم الصحابة هذا الامر فكانوا يترفقون بالناس و يحدثونهم قدر عقولهم بما يحتاجون فقط

لانه ليس من المعقول ان تحارب الناس في تطبيق سنة و هم لم يبلغوا بعد الاتيان بالواجب اليس الواجب ان تعلمهم الواجب اولا ثم تعلمهم السنن!!!

و لذلك عقد بن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم و فضله فصولا في هذا الامر منها فصل التحديث بما يعرفه الناس.

و في كتابه احاديث متناثرة في هذا الموضوع فمن باب الحكمة احيانا اخفاء بعض السنن في وقت ما خشية الفتنة و هذا ما فعله الصحابة فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي اصحابه انهم سيأتون قوما يقرؤون القرآن فأمرهم ان لا يشغلوهم عنه بالحديث و كذلك ها هو عثمان اتم الصلاة في الحج خوفا من ان يظن الاعراب ان الصلاة ركعتين.

و ها هم السلف مثل الامام مالك و ابا حنيفة كرهوا صيام الست من شوال مع انها سنة خوفا ان يظن الناس انها من رمضان و كذلك الامام احمد ترك ركعتي المغرب لان الناس لم يعهدوها

و امثال ذلك كثير.

قال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015