ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ): أَنَّ الْكَلَامَ يَجُوزُ بين الْخُطْبَتَيْنِ إذَا سَكَتَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَلَامَ بَيْنَهُمَا يُبَاحُ، وهو أَحَدُ الْوُجُوهِ. قال الْمَجْدُ: هذا عِنْدِي أَصَحُّ وَأَقْيَسُ. وَقَدَّمَ ابن رَزِينٍ الْجَوَازَ؛ قال: لِأَنَّهُ ليس بِخَاطِبٍ.

وَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ؛ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي. قَالَهُ في مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.

وَأَطْلَقَهُنَّ في الْفُرُوعِ وَالْحَوَاشِي. وَأَطْلَقَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ في الْفَائِقِ. قال في الرِّعَايَتَيْنِ: في كَرَاهَتِهِ بين الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ. قال في الْحَاوِيَيْنِ: وفي الْكَلَامِ بين الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ وفي إبَاحَتِهِ في الْجُلُوسِ بين الْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ.

وقال ابن قدامة في (المغني ج2/ص87):

فأما الكلام في الجلسة بين الخطبتين فيحتمل أن يكون جائزا؛ لأن الإمام غير خاطب ولا متكلم، فأشبه ما قبلها وبعدها. وهذا قول الحسن.

ويحتمل أن يمنع منه؛ وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق؛ لأنه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه السكوت للتنفس.

وقال البهوتي في (كشاف القناع ج2/ص47):

ولا بأس بالكلام بين الخطبتين إذا سكت؛ لأنه لا خطبة حينئذ ينصت لها.

وقال الشاشي في (حلية العلماء ج2/ص229):

ولا يحرم الكلام قبل افتتاح الإمام الخطبة، وفي الجلوس بين الخطبتين، وإذا فرغ الإمام من الخطبة إلى أن يشرع في الصلاة، وبه قال أحمد.

وقال ابو حنيفة: يحرم الكلام في جميع هذه الأحوال كما يحرم في حال الخطبة وكما يحرم التنفل فيها.

وقال النووي في (روضة الطالبين ج2/ص28):

ويجوز الكلام قبل ابتداء الإمام بالخطبة وبعد الفراغ منهما. فأما في الجلوس بين الخطبتين فطريقان: قطع صاحب المهذب والغزالي بالجواز، وأجرى المحاملي وابن الصباغ وآخرون فيه الخلاف.

وقال في (كفاية الأخيار ج1/ص147):

ويجوز الكلام قبل الشروع في الخطبة، وبعد الفراغ منها، وقبل الصلاة، قال في المرشد: حتى في حال الدعاء للأمراء.

وفيما بين الخطبتين خلاف: وظاهر كلام الشيخ أنه لا يحرم، وبه جزم في المهذب والغزالي في الوسيط، نعم في الشامل وغيره إجراء القولين.

ثم هذا في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ناجز، فأما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا ندب على إنسان فأنذره أو علم ظالما يتطلب شخصا بغير حق كعريف الأسواق ورسل قضاة الرشا فلا يحرم بلا خلاف، وكذا لو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فإنه لا يحرم قطعا وقد نص على ذلك الشافعي واتفق عليه الأصحاب.

قال ابن حزم في (المحلى ج5/ص72):

وَالْكَلاَمُ جَائِزٌ في جِلْسَةِ الإِمَامِ بين الْخُطْبَتَيْنِ، لأن الْكَلاَمَ بِالْمُبَاحِ مُبَاحٌ إلاَّ حَيْثُ مَنَعَ منه النَّصُّ، ولم يَمْنَعْ النَّصُّ إلاَّ من الْكَلاَمِ في خُطْبَةِ الإِمَامِ كما أَوْرَدْنَا قَبْلُ.

حدثنا محمد بن سَعِيدِ بن نَبَاتٍ، ثنا عبد اللَّهِ بن نَصْرٍ، ثنا قَاسِمُ بن أَصْبَغَ، ثنا ابن وَضَّاحٍ، ثنا مُوسَى بن مُعَاوِيَةَ، ثنا وَكِيعٌ، عن جَرِيرِ بن حَازِمٍ، عن ثَابِتِ بن أَسْلَمَ الْبُنَانِيِّ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ قال: كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْزِلُ من الْمِنْبَرِ يوم الْجُمُعَةِ فَيُكَلِّمُهُ الرَّجُلُ في الْحَاجَةِ فَيُكَلِّمُهُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إلَى الْمُصَلَّى فَيُصَلِّي.

وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بن سَلَمَةَ: أنا عَلِيُّ بن زَيْدٍ، عن سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمَّا قَعَدَ على الْمِنْبَرِ يوم الْجُمُعَةِ قال له بِلاَلٌ: يا أَبَا بَكْرٍ. قال: لَبَّيْكَ. قال: أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ أَمْ لِنَفْسِك؟ قال أبو بَكْرٍ: بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى. قال: فَأْذَنْ لي أُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. فَأَذِنَ له فَذَهَبَ إلَى الشَّامِ فَمَاتَ بها رضي الله عنه.

وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بن سَلَمَةَ: عن بُرْدِ أبي الْعَلاَءِ، عن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قال: كَلاَمُ الإِمَامِ يَقْطَعُ الْكَلاَمَ. فلم يَرَ عُمَرُ الْكَلاَمَ يَقْطَعُهُ إلاَّ كَلاَمُ الإِمَامِ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015