إن مأخذ الأحناف فيما ذهبوا إليه مبني - كما سبق - على اعتبار أموال الحربيين على أصل الحل فكيفما تيسر للمسلم أن ينال شيئا منها بأي طريق لا يتضمن غدرا بهم ولا احتيالا عليهم فهو مشروع، ويكون شأنه في ذلك كمن يأخذ الكلأ من الغابات أو الماء من المحيطات! لإن مال الحربي مال غير معصوم، وهو مباح في نفسه، إلا أن المسلم ممنوع من تملكه بغير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله الكافر باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، فكان الآخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مثبت للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش في البرية قبل إحرازه من قبل أحد، فإنه جائز، فكذلك الزيادة هنا.
ب- بما روي عن مكحول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب) وهو حديث مرسل، والمرسل حجة عند الحنفية.
[ size=21] وبعد فإن في ما يتضمنه مذهب الأحناف في هذه القضية من الأحكام ومنها:-
· جواز التعامل بالربا مع من أسلموا في دار الحرب ولم يهاجروا، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الحربيين،
فقد جاء في الدر المختار: "وحكم من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي، فللمسلم الربا معه خلافاً لهم، لأن ماله غير معصوم فلو هاجر إلينا ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقاً".
وفي بدائع الصنائع للكاساني عند حديثه عن شرائط جريان الربا "ومنها: أن يكون البدلان متقومين شرعاً، وهو أن يكونا مضمونين حقاً للعبد، فإن كان أحدهما غير مضمون حقاً للعبد لا يجري فيه الربا، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب، فبايع رجلاً أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهماً بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام، أنه يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز، لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده"،
· ومن ذلك أيضاً ما يتضمنه مذهبهم من جواز تعامل المسلمين الجدد في هذه البلاد بالربا أخذاً وإعطاءً ما داموا لم يهاجروا، سواء أكان ذلك مع نظرائهم من المسلمين الجدد أم مع بقية الحربيين، وذلك لارتباط العصمة عندهم بالدار ابتداء.
وقد أشار إلى ذلك ابن عابدين في الحاشية في قوله: "يعلم مما ذكره المصنف مع تعليله أن من أسلما ثمة ولم يهاجرا لا يتحقق الربا بينهما أيضاً".
وذهب جمهور العلماء إلى أن المسلم المستأمن في دار الحرب لا يجوز له أن يعاملهم بشىء من المعاملات المحظورة في دار الإسلام بين المسلمين لأن الأمان يقتضي الوفاء بالعهد ورعاية حق الآخرين، والمسلم مخاطب بالأحكام حيثما كان. وهذا يعطي صورة طيبة عن الإسلام وكيفية التعامل مع غير المسلمين مما يكون له أطيب الأثر في النفوس.
واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
1 - عموم الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على تحريم الربا، وهى لم تخص ذلك بمكان دون آخر ولا بقوم دون قوم.
2 - ان المسلم ملتزم بأحكام الإسلام حيثما يكون، ولا يزيل عنه الحق أن يكون بموضع من المواضع، ومن حكم الإسلام تحريم هذا النوع من المعاملة.
3 - كل ما كان حراماً في بلاد الإسلام يكون حراماً في بلاد الكفر مثل سائر المعاصي والفواحش كشرب الخمر والزنا.
4 - إن حرمة الربا كما هى ثابتة في حق المسلمين فهى ثابتة كذلك في حق الكفار، لأنهم مخاطبون بالحرمات والنواهي، وهو محرم عليهم كما في النصوص الكثيرة في القرآن الكريم.
5 - والمال المأخوذ في هذه المعاملة مأخوذ بعقد فاسد، والعقود الفاسدة ليست طريقاً يفيد الملك.
وقد أجاب الجمهور على أدلة الإمام محمد وأبي حنيفة ومن معهم:
1 - الاستدلال على إباحته للعباس قبل فتح مكة لأنها دار حرب، فيه نظر لأن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه، ولأن الربا وقتئذ لم يكن تحريمه قد استقر.
2 - وأما احتجاجهم بأن في ذلك استيلاء على مال مباح دون غدر وبرضا من الكفار، فإنه استدلال لا ينهض للحجية، وقد رد الامام النووي رحمه الله على ذلك بقوله: "انه لاي يلزم من كون اموال الحربيين تباح بالاغتنام، انها تستباح بالعقد الفاسد، كما ان ابن العربي رحمه الله، ذكر ان المسلم اذا دخل دار الحربيين فقد تعين عليه الا يخون عهدهم ولا يتعرض لمالهم ".
3 - وأما قصة بني النضير وقوله عليه السلام لهم: «ضعوا وتعجلوا» فإن الحديث فيه ضعيف فلا ينهض للحجية والاستدلال ولا يعارض الأدلة الأخرى. وبذلك يظهر قوة مذهب الجمهور في تحريم التعامل بالربا بين المسلم والحربي في دار الحرب والله الموفق. فهذه هي جملة أدلة الأحناف وما ذهبوا إليه، وقد رأينا ما فيها من ضعف، الأمر الذي لا يصح معه تقييد النصوص الجليلة القاطعة الواردة في تحريم هذه الفواحش بمثل هذه الاحتمالات الضعيفة، ومن أجل هذا لم تقبل بقية المذاهب المتبوعة رأي الأحناف في هذه المسألة، بل رده أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله" اهـ
ولاشك ان راي الامام ابي حنيفة وغيره راي غير مرجوح فقد اعترض الامام النووي من الشافعية على الحديث الذي احتج به ابو حنيفة (لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب) وقال بانه: " مرسل ضعيف فلا حجة فيه، ولو صح لتأولناه على ان معناه: لا يباح الربا في دار الحرب جمعا بين الادلة ".
كما ان صاحب (المغني) قال عن هذا الحديث: "مرسل لا نعرف صحته، وهو يحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم اراد النهي عن الربا في دار الحرب ولا يجوز ترك ما ورد بتجريمه القران، وتظاهرت به السنة، وانعقد الاجماع على تحريمه، بخبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به "
¥