3 - ومن حيث النظر والاعتبار: إن مال أهل الحرب في دارهم مباح بالإباحة الأصلية، فكان أخذه استيلاء على مال مباح غير مملوك، فهو بعقد الأمان لم يصر معصوماً، إلا أن المسلم المستأمن إذا دخل بلادهم التزم ألا يتعرض لهم بغدر، ولا لما في أيديهم بدون رضاهم، فهو إنما منع من أخذ مالهم بسبب عقد الأمان حتى لا يلزم الغدر، فإذا بذل الحربي ماله برضاه زال المعنى الذي حظر لأجله، فيملكه بحكم الإباحة السابقة.
وقد عرض لهذه القضية - قضية التعامل بالفوائد الربوية في المجتمعات غير الإسلامية - أو خارج دار الإسلام بتعبير فقهائنا القدامى، أو في دار الحرب بتعبير آخر - بعض علماء العصر، وأفتى بعضهم بالمنع، وهم الأكثر، وبعضهم بالإجازة.
ومن أقدم علماء العصر الحديث الذين عرضوا لها العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب (المنار)
الذي كانت تأتيه الأسئلة من أنحاء العالم، فيجيب عنها في مجلته الشهرية (المنار)
ومنها سؤال عن قضيتنا هذه جاءه من جاوافي اندونيسيا،
يقول: ما قول السيد البار بالمسلمين، والرشيد الحريص على أحكام رب العالمين في فتوى بعض العلماء: يحل أموال أهل الحرب فيما عدا السرقة والخيانة ونحوها مما كان برضاهم وعقودهم، فهو حل لنا مهما يكن أصله حتى الربا الصريح!؟
أليست هذه الفتوى وأمثالها الضربة القاضية على جميع ما حرمه الله، والتعدي على الحدود التي لم يستثن منها اضطراراً ولا عذراً لفاعل؟ كالشرك والكفر بغير إكراه، والقتل العمد إلى آخره.
وأجاب السيد رشيد بقوله: أصل الشريعة الإسلامية أن أموال أهل الحرب مباحة لمن غلب عليها وأحرزها بأي صفة كان الإحراز إلا أن الفقهاء خصصوا هذاالعموم بما ورد في الشريعة من التشديد في تحريم الخيانة،
فقالوا: إن المسلم لا يكون خائناً في حال من الأحوال، فإذا ائتمنه أي إنسان وإن كان حربياً على مال وجب عليه حفظ الأمانة وحرمت عليه الخيانة، فإذا كان الأصل في مال الحربي أنه غنيمة لمن غنمه بالقهر أو بالحيلة أو بكل وسيلة ما عدا الخيانة أفلا يكون حله أولى إذا أخذه المسلم برضاه، ولو بصورة العقود الباطلة في دار الإسلام بين المسلمين والخاضعين لحكمهم من غيرهم؟
إنه لم يظهر لي أدنى وجه لقياس حل سائر المحرمات كالكفر والخمر والميتة وهي من المحرمات لذاتها في دار الإسلام ودار الحرب على مال الحربيين المباح في أصل الشريعة، إذ الأصل في القياس أن يلحق الشيء بمثله في علة الحكم لا بضده.
لولا كتاب خاص شرح لنا فيه صديقنا السائل سبب سؤاله لما فهمنا قوله فيه: إن تلك الفتوى ضربة قاضية على جميع ما حرمه الله تعالى فقد كتب إلينا أن بعض المستمسكين بحب الدين في جاوه قد استنكروا الفتوى المسؤول عنها لأنهم فهموا منها أن استحلال الربا في دار الحرب يفضي إلى استحلال سائر المعاصي كالزنا واللواط والقتل وغير ذلك فيها أو مطلقاً وهذا سوء فهم منهم، فإن الفتوى ليست في استحلال الربا مطلقاً كما تقدم ولا يخفى على أحد منهم أن حرمة سفك الدم بغير حق أشد من حرمة أخذ المال بغير حق، فهل يقيسون إذا إباحة قتل المحارب على إباحة قتل المسالم من مسلم وذمي ومعاهد؟ ولدار الحرب أحكام أخرى تخالف أحكام دار الإسلام منها عدم إقامة الحدود فيها.
ونقول لهم من جهة أخرى إذا أقام المسلم في غير دار الإسلام فهل يدعون أن الله تعالى يأمره بأن يدفع لأهلها كل ما يوجبه قانون حكومتها من مال الربا وغيره - ولا مندوحة له عن ذلك ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم؟
أعني هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغرم من حيث يكون لغيره الغنم، أي يوجب عليه أن يكون مظلوماً مغبوناً؟
2 - واستدل جمهور الحنفية لمذهبهم بأدلة منها:
¥