أخي حفيد صلاح الدين ما ذكرته نسميه الإجاع الظني و ليس السكوتي و هو معرفة أكثر أقوال الصحابة (و لا نعرف لهم مخالفا) و هو أكثر أنواع الإجماع المنقولة في غير طبقة الصحابة إلا أنه مستبعد في الصحابة فالتابعي صرح بقول الصحابة و لم يقل بعضهم - أي لا نعرف مخالفا - لكن الأثر نقل إجماعا و لم ينقل إجماع سكوتي
فالإجماع السكوتي يقتضي ظهور قول صحابي واحد أو بعضهم و سكوت الأخرين مع علمهم به فهو مبني على أن السكوت اقرار
فعلى هذا شروط الإجماع السكوتي هي:
1ـ أن يكون الإجماع في أمر إجتهادي، وهذا شرط للأخذ بالإجماع مطلقاً.
2ـ أن يفتي البعض في المسألة، وتشتهر بين علماء العصر، ولا يعترض أحدهم أو يفتي بخلاف الفتوى المشتهرة.
3ـ استمرار هذا الحال إلى مضي مدة التأمل.
اذن الاجماع الظني ليس هو نفسه السكوتي (ربما يمكننا القول ان السكوتي داخل في الظني) فالظني هو عدم العلم بمخالف أي نعلم اكثر أقوال المجتهدين مع عدم العلم بقول مخالف أما السكوتي فهو اجتهاد احد العلماء مع العلم أن في مثل ما إجتهد به لا يمكنه أن يخفى على غيره فلم يعارض في إجتهاده ذلك, أي لا بد من العلم بإنتشار فتواه بحيث لو كان يخالفها مجتهد آخر لبين معارضته.
فالاجماع الظني يحتج به عند جمهور الفقهاء إن صدر من عالم بالمذاهب و إختلافها أما السكوتي فهو ليس بحجة فقد يسكت المخالف خوفا من أمر ما.
أمثلة عن الإجماع السكوتي: قول معاوية رضي الله عنه أن صاع تمر يعادل نصف صاع من سمراء الشام فوق المنبر و لم يعارضه صحابي (إلا أن هذا الاجماع السكوتي مقدوح لأن أحد الصحابة عارضه بعد ذلك في مجلس آخر لذلك هو ليس بحجة لعدم علمنا بسبب سكوت الغير)
و كذالك فتاوي الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم فوق المنبر بحضور الصحابة دون إعتراض أحدهم عليه فهذه من اقوى الاجماعات السكوتية.
اجماع ظني: مثلا ما نقله بن عبد البر و بن قدامة في أن تارك الصلاة عمدا لا بد له من قضائها فهذا من الإجماع الظني اي لعدم العلم بالمخالف و هو حجة لكون بن عبد البر رحمه الله عالم بإختلاف المذاهب و حتى الظاهرية منها لكنه مقدوح لثبوت خلاف الحسن البصري رحمه الله في المسألة اذن بن عبد البر ذكر اجماعا ظنيا لعدم علمه بقول مخالف
و مثال ثاني الاجماع على أن الدم نجس.
إذن هناك مراتب للإجماع أقواها إجماع الصحابة و هو اجماع عند كل من يعتد بقوله بدون خلاف
الثانية اجماع غير الصحابة و هو ظني على أغلب الاحوال و هذا الذي لا يأخد به الظاهرية و الامام احمد و الشوكاني رحمهم الله
و فيه مراتب
أولها اجماع ظني مع دليل من نص ظاهر فهذا أقواها
ثانيها اجماع ظني مع نص متأول أي تخصيص عام أو مجمل بالاجماع منها ما هو ظاهر كعدم وجوب الحج على الصغير إجماعا و منها ما هو غير ظاهر و لا يحضرني مثال في ذلك الآن.
ثالثها اجماع ظني مع القياس الجلي
الرابع اجماع ظني مع قياس غير جلي و هذا الذي يطعن فيه الكثير من الفقهاء و منه نجاسة الدم مثلا و قضاء الصلاة على تاركها عمدا
فالاجماع مستند إلى دليل لانه ليس بتشريع جديد فإما أن يكون هذا الدليل نص ظاهر (لا نقول نص مبين لان في هذه الحالة لا حاجة لنا بالاجماع)
أو يكون الدليل مجمل او عام فخصص بالاجماع
أو يكون قياس جلي
أو يكون قياس
ثم يأتي الاجماع من غير مستند شرعي كعدم قتل شارب الخمر عند الرابعة الذي خالف فيه بن حزم فاخد بالحديث القائل بقتله و ذهب الجمهور اجماعا قبله لخلافه لعدم العلم بان الرسول عليه الصلاة و السلام قتل شارب الخمر و لا الصحابة بعده
و كذلك جلد الزاني الثيب لعدم فعل الرسول عليه الصلاة و السلام لذلك في رجم الصحابيين إلا انه يمكننا القول أن الاجماع مبني على فعل فله مستند شرعي.
لذلك تجد الالباني رحمه الله ينقض الإجماع المبني على القياس الغير جلي إن تعارض مع حديث او اثر صح عنده و مثاله نجاسة الدم لان مستند الاجماع قياس الدم على دم الحيض و كذلك قوله تعالى قُل لاّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ.
إلا أن هذا الدليل في الأطعمة فلا يمكن تعميمه لدم البشر (و ذلك لعلمنا أن ميتتة الادمي ليست بنجسة فكما خرج الآدمي من الميتة في الآية خرج كذلك دمه منها) لذلك ذهب الشوكاني و العثيمين رحمهم الله إلى طهارة دم الآدمي على خلاف الالباني رحمه الله الذي قال بطهارة دم الذبيحة ايضا.
الخلاصة أن الاجماع السكوتي هو افتاء مجتهد ثم انتشار فتواه بين مجتهدي العصر دون ظهور معارض لها
أما الظني فهو اجتهاد مجموعة من المجتهدين و اتفاقهم في فتوى فتصلنا دون وصول قول مخالف و اغلب الإجماعات المنقولة عن غير الصحابة من هذا النوع فلا يمكن عقلا العلم بأقوال كل مجتهدي العصر إلا الصحابة لقلة عددهم و لذلك طعن الإمام احمد رحمه الله في مثل هذا الاجماع فقال ربما إختلفوا.
ارجوا أن يكون ما كتبته وضح لك المسألة و اعتدر مسبقا على طريقة الصياغة فقد كتبتها على عجالة و الله اعلم
¥