ذهب الإمام أحمد وأصحابه، وأكثر الحنفية، والمالكية، وحكي عن الشافعي، وأكثر أصحابه، إلى أنه لو قال مجتهد قولا؛ وانتشر هذا القول ولم ينكر؛ قبل استقرار المذهب؛ فهو إجماع.
ثم اعلم أن هذا الإجماع ظني، وذلك لأن الظاهر الموافقة؛ لبعد سكوتهم عادة.
ولذلك يأتي في قول الصحابي والتابعي في معرض الحجة: كانوا يقولون، أو يرون، ظ ونحوه.
ومعلوم أن كل أحد منهم لم يصرح به، وسكوتهم يشعر بالموافقة، وإلا لأُنكر ذلك، ثم هو مستمد من سكوته صلى الله عليه وسلم على فعل أحد أو قوله بلا داع.
قال ابن برهان: إليه ذهب كافة أهل العلم. وقال النووي: الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع، وهو موجود في كتب العراقيين.
وقال البرماوي: المرجح أنه إجماع ظني لا قطعي، لأن القطع مع قيام الاحتمال في السكوت لا يمكن. ومثله قال ابن قاضي الجبل، والآمدي، والرازي.
هذا ما ذكرت هو قول جمهور أهل العلم، والصواب إن شاء الله تعالى، وإلا فقد حصل فيه خلاف كبير هل هو حجة لا إجماع، أو أنه ليس بحجة ولا إجماع، أو أنه إجماع فيما يفوت استدراكه، أو أنه إجماع فيما يدوم ويتكرر وقوعه، أو أنه إجماع في عصر الصحابة دون غيرهم، أو أنه إجماع إن كان الساكت أقل، أو أنه إجماع إذا انقرض العصر، أقوال.
وحيث قلنا هو إجماع أو حجة؛ فلا بد له من شروط تشترط له، منها:
• كون ذلك في المسائل التكليفية.
• أن يكون في محل الاجتهاد.
• أن يطلعوا على ذلك.
• أن لا يكون هناك أمارة سخط، وإن لم يصرحوا به.
• أن لا يُنكر ذلك مع طول الزمان.
فخرج بذلك ما ليس من مسائل التكليف، وما إذا كان القائل مخالف للثابت القطعي؛ فالسكوت عنه ليس دليلا على موافقته.
وخرج أيضا ما لم يطلع عليه الساكتون؛ فإنه لا يكون حجة قطعا.
ثم هل المراد بإطلاعهم القطع، أو غلبة الظن بذلك؛ لانتشاره وشهرته وهو ما صرح به الأستاذ نقلا عن مذهب الشافعي واختيارا له؟
وأما إن احتمل واحتمل فلا، كما نقله ابن الحاجب عن الأكثر، ومقابله قول أنه حجة.
وخرج أيضا ما إذا كان هناك أمارة سخط؛ فإنه ليس بحجة بلا خلاف، كما أنه إذا كان معه أمارة رضا يكون إجماعا.
وخرج أيضا به ما إذا لم تمض مدة للنظر؛ لاحتمال أن يكون الساكت في مهلة النظر.
ومن شروط محل الخلاف أيضا: أن لا يطول الزمان مع تكرر الواقعة، وأن يكون قبل استقرار المذاهب؛ فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوت قطعا، كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كحنبلي يفتي بنقض الوضوء من مس الذكر، فلا يدل سكوت من يخالفه كالحنفية على موافقته.
تنبيه: يدخل تحت هذا الباب في المسألة ما إذا فعل بعض أهل الإجماع فعلا ولم يصدر منهم قول، وسكت الباقون عليه، فهذا ينبغي أن يكون إجماعا سكوتيا بناء على ما سبق.
فإنه من المرجح في أصل الإجماع: أنه لا فرق بين القول والفعل، بل يتولد من ذلك أن الفاعل لو كان من غير أهل الاجتهاد واطلع عليه أهل الإجماع ولم ينكروا عليه، ولا داعي لعدم إنكارهم؛ أن يكون ذلك حجة، لأن تقريرهم كتقرير الرسول صلى الله عليه وسلم شخصا على فعل.
أما إن لم ينتشر قول المجتهد: فهو تارة إما أن يكون من صحابي أو من تابعين وتارة يكون من غيرهما.
فإن كان أحدهما فهو على الصحيح إجماع بالشروط التي سبقت. وهو مفصل في باب قول الصحابي.
وإن كان من غيرهما فالأصح أنه ليس بإجماع ولا حجة، لعدم الدليل على ذلك، وعليه الأكثر.
ثم اعلم أن المراد: عدم الاشتهار هنا والشهرة، لا العلم ببلوغ الخبر للباقي على الصحيح.
أما المثال في مشاركتك حفظك الله فالذي يظهر أنه ليس بإجماع سكوتي، إنما هو حكاية ما كان متقررا في عصرهم مما كان قد قرره صلى الله عليه وسلم وفهموه رضوان الله عليهم منه. بدليل أنه قد ورد في المسألة نص صريح بقوله عليه الصلاة والسلام: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر"، وعليه فقد يكون الإكثار من ورود النصوص في أمر ما سببا في أن يخصص بتعبير معين دون غيره من الأحكام؛ مع دخولها هي أيضا في نفس الحكم فيما لو تركت أيضا. فتنبه
هذا ما أراد الله تسطيره، وأردت بيانه وتوضيحه، فالحمد لله أولا وآخرا، والصلاة على محمد النبي قائما وقاعدا.
ـ[التقرتي]ــــــــ[22 - Mar-2009, مساء 09:24]ـ
¥