وأؤكد مشددا لا يجوز الهجر ولا التشهير بمن يرى خلاف هذا القول وإني لأعلم أن منهم فضلاء نفعهم كبير جزاهم الله خيرا وهي من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف.
ولكن التوضيح والبيان بالأدلة النقلية والحسية ليس من ذلك التشدد في شيء بل هو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم:" من دل على خير فله مثل أجر فاعله ". رواه مسلم.
وقوله: "الدين النصيحة"
وتأييد النص بالحس والفطرة والعقل من مسالك العلماء الذين هم قدوتنا لكون ذلك كله لا يكون إلا موافقا للنص ولا يمكن أن يتعارض معه.
هذا ما يبدو لي في هذه المسألة فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
وابن عمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الكرام
ما دام أنه خالفهم آخرون
من الصحابة وجاء حديث المغيرة موافقا لرأيهم فلا يكون فعلهم حجة في الاستحباب
وعلى كل حال فرأي الصحابي ليس بحجة إذا خالفه صحابي آخر فما بالك إذا خالفه فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة.
وإذا كنا لم نأخذ برأيه رضي الله عنه في تتبعه آثار النبي صلى الله عليه وسلم لمخالفة أبيه له فلم نأخذ برأيه هنا مع مخالفة أبيه له أيضا وهو من الخلفاء الراشدين ووجود أكثر من مرجح للرأي الذي يخالفه.
وأضيف هنا كلاما لشيخنا الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة
(ج / ص 3):
"وإذا عرفت ما تقدم؛ يتبين لك أن الإحفاء غير ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم فعلاً، وإنما ثبت عن بعض الصحابة، كما ثبت عن بعضهم خلافه، وهو إحفاء ما على طرف الشفة، وهو الذي [ثبت] من فعله صلي الله عليه وسلم في شارب المغيرة كما سيأتي بعد صفحات. وهذا الإحفاء هو المراد بالأحاديث القولية الآمرة بالإحفاء وما في معناها، وليس أخذ الشارب كله؛ لمنافاته لقوله صلي الله عليه وسلم:
"من لم يأخذ من شاربه ... ". والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وهو الذي اختاره الإمام مالك، ثم النووي وغيره، وهو الصواب إن شاء الله تعالى " انتهى كلام شيخنا رحمه الله.
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد - (ج 21 / ص 66): إنما في هذا الباب أصلان أحدهما أحفوا الشوارب وهو لفظ مجمل محتمل للتأويل والثاني قص الشارب وهو مفسر والمفسر يقضي على المجمل مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم قص الشارب من الفطرة يعني فطرة الإسلام وهو عمل أهل المدينة وهو أولى ما قيل به في هذا الباب والله الموفق للصواب "
وأما ظنك أن النهي عن تخفيف الشارب بما يشبه الحلق تنطع فهو خلاف قول من رأى استحباب أخذ ما طال على الشفه فهو عندهم خلاف السنة وخلاف من صرح بكراهته كمالك والليث.
فقد جاء في التمهيد - (ج 21 / ص 64):
"وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد قال لا أحب لأحد أن يحلق شاربه جدا حتى يبدو الجلد وأكرهه ولكن يقصر الذي على طرف الشارب وأكره أن يكون طويل الشاربين"
وسبق أنني نقلت عن شيخنا أنني سألته عنه فقال هو كالحلق.
فهل من التنطع توضيح مسألة فقهية وبيانها للناس كل بما يترجح عنده لا سيما في مسألة تعم بها البلوى وقد حصل فيها تحول عند إخواننا على خلاف ما رأينا عليه علماءنا الكبار فقد رأيت مشايخنا ابن باز وابن عثيمين والألباني واللحيدان والفوزان وعبد المحسن العباد وابن جبرين من حيث الفعل على غير هذه الصورة التي شاعت الآن بين السلفيين وإن كنت أعذرهم ولكن النصيحة طيبة.
أسأل الله الهداية والسداد لي ولإخواني جميعا.
.............................. ....
قال عبدالله نياوني:
أخي الفاضل! غالب
حفظك الله ورعاك وسدد في طريق الخير خطاك ..
أخي الكريم! إن غايتي في مداخلتي، هي الهمس في أذنك نصحا مني لك لله، أن تستعمل ما استعمله مشائخنا في مثل هذه المسائل الفرعية، قل مثلا: الراجح في المسألة ... المختار عند المحققين ... الصواب الذي تؤيده الأدلة ... وغيرها من الألفاظ ..
فالقول بـ (التشويه للخلقة) لم يقل به أحد البتة في من (خفف لحيته قريبا من الحلق) .. فهل يصح أن نقول إن كلا من سهل بن سعد وعبدالله بن عمر وجابر وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، كانوا -يشوهون خلقتهم- فإذا كان الجواب عندك بنعم ..
فهل يصح أن يقرهم على ذلك بقية الصحابة؟ إذ لم يرد فيما أعلم إنكار عليهم لصنيعهم هذا ...
وثبت أن الأثرم قال: كان الإمام أحمد يحفه بشدة.اهـ
¥