حتى جاء الإمام الشاطبي؛ (جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ)؛ فكان إسهامه اكتمالا لعلم المقاصد، وتتميما لمسائله وموضوعاته، وصياغةً ناضجةً لأصوله، فخصَّص الكتابَ الثانِيَ من مصنفه النافع الفذ: ((الموافقات)) لبحث مقاصد الشارع، فأتى فيه بمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأَوَائِلُ، وطبق ما في هذا الكتاب من نظريات في كتابه الفذ الآخر ((الاعتصام)) (صِنْوِ الموافقات).
وفي العصر الحديث:
بدأت الإشارة إلى أهمية إبراز العناية بعلم المقاصد الشرعية على يد الأستاذ الشيخ محمد عبده؛ ظهر هذا جليا في عدة جوانب نظرية وعملية:
فمن الجوانب النظرية: إشاراته المقاصدية في مقالاته ومصنفاته في التفسير، وهي كثيرة جدا في تفسير المنار، وتفسير جزء عم، وتفسير سورة العصر، وغيرها من مصنفاته، كما ظهرت عناية تلميذه الأكبر الشيخ العلامة الأستاذ الإمام/ محمد رشيد رضا، في مؤلفاته عامة، ومن أهم ما عني في تصنيفة بفكرة إحياء علم مقاصد الشرع كتابان عظيمان نافعان؛ هما:
ـ كتاب: ((يسر الإسلام وأصول التشريع العام)).
ـ وكتاب: ((الوحي المحمدي))، لا سيما في الفصل الخامس المعنون له بعنوان: ((الفصل الخامس في مقاصد القرآن في تربية نوع الإنسان، وحكمة ما فيه من التكرار في الهداية وإعجازه بالبيان))، وعقد في هذا الفصل عشرة مقاصد من المقاصد التربوية والأخلاقية الكبرى للقرآن الكريم، تعد من الأعلاق النفيسة التي ينبغي لكل طالب علم أن يُلِمَّ بها، وأن تكون منه على بال.
وتوالت العناية بالمقاصد الشرعية عند تلاميذ الأستاذ محمد عبده؛، بشكل واضح؛ تراه جليا عند جمال الدين القاسِمِيِّ في: ((محاسن التأويل))، وعند المراغي في ((تفسيره))،،، وغيرهم، وقد يوصف هذا الاتجاه عند الأستاذ محمد عبده وعند بعض تلاميذه بالمبالغة فيه أحيانا، ولو على حساب النص.
والجانب العملي: تَمَثَّل في تنبيهه إلى أهمية العناية بكتاب ((الموافقات)) للإمام الشاطبي، فكان أول من أشار إلى أهمية إقرائه، وإعادة طباعته ونشره بين العلماء وطلبة العلم، وقد كانت عناية الأستاذ الشيخ العلامة/ عبد الله دراز بكتاب ((الموافقات)) وشرحه عليه مع إعادة طباعته -: كان ذلك كله بتوجيه من الشيخ محمد عبده.
ثم توالت الأبحاث المتخصصة في مقاصد الشريعة بعد ذلك؛ على الترتيب التالي:
ـ الأعمال والمصالح في أصول الأديان ورائع العمران: للشيخ محمد أمين الطرابلسي، طُبِعَ سنة: 1326 هـ، وضم أبحاث تتناول علاقة الأعمال بالمصالح، مبينا أن مكان المصلحة من العمل مكان الروح من الجسد.
ـ أسرار الشريعة الإسلامية وآدابها الباطنية: للشيخ إبراهيم علي، طُبِعَ سنة: 1328 هـ.
ـ الفقه الإسلامي مع حكمة التشريع: للشيخ محمد الشيخ محمد جابر، طُبِعَ سنة: 1328هـ.
ـ المسلك البديع في حكمة التشريع: للشيخ عبد الرحمن أحمد خلف، طبع سنة: 1329 هـ.
ـ الأسرار الإلهية في الحكم التشريعية: للشيخ عبد الرحمن راضي، طُبِعَ سنة: 1341 هـ.
ـ قصد الشارع من وضع الشريعة، النسخ والشرائع: تأليف الشيخ/ منير محمد عمران، طُبِعَ بالمطبعة الأهلية، سنة: 1348هـ 1930م.
ثم جاء - بعد ذلك - الشيخ العلامة الإمام محمد الطاهر بن عاشور مفتى تونس، وشيخ جامع الزيتونة، فأفاد من المباحث المقاصدية في تراث أهل العلم وجَمَّلَها وكَمَّلَها؛ فبدأ التصنيف المقاصدي بالتطبيق في كتابه:: ((أليس الصبح بقريب)) الذي بدأه عام: 1321 هـ، وقام فيه بدراسة نقدية للأنساق التعليمية في عصره في الجامع الأزهر، وجامع الزيتونة، واعتبر – رحمه الله – أن من أسباب جمود العقل الفقهي في عصره -: إهمال النظر إلى مقاصد الشريعة من أحكامها، ثم في كتابه العبقري الفذ: ((مقاصد الشريعة الإسلامية))، ثم طبق آراءه المقاصدية التي أقرها في: ((مقاصد الشريعة الإسلامية)) في كتابه: ((أصول النظام الاجتماعي في الإسلام))، بحيث تعتبر إضافات الشيخ ابن عاشور إلى علم المقاصد الانطلاقة الكبرى لعلم المقاصد، والامتداد الحقيقي والطبيعي لجهود الإمام الشاطبي.
وفي خلال الإبداع المقاصدي للعلامة ابن عاشور ومتزامنا معه كتب الشيخ عبد العزيز جعيط مقالته عن ((مقاصد الشريعة)) في العدد الأول من ((مجلة الزيتونة))، ولعل الفضل في توجيه الشيخ عبد العزيز جعيط عائدٌ إلى إشارات تلميذه الشيخ العلامة الإمام محمد الطاهر بن عاشور، خلافا لمن زعم عكس ذلك.
وكان معاصرا للشيخ ابن عاشور الشيخُ الأستاذُ المجاهدُ علالٌ الفاسِيُّ، فوضع عَقِيبَهُ ما يمكن اعتباره الكتابَ الثانيَ في مقاصد الشريعة في العصر الحديث؛ وهو كتاب: ((مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها))، وطبق بعض آرائه فيه في كتابه البديع: ((النقد الذاتي)).
ثم ما لبث أن تتابعت - في العِقْدَيْنِ المنصرمَيْنِ – التصنيفاتُ في مقاصد الشريعة وكثرت؛ ما بين دراسة لآراء بعض الأئمة في المقاصد، أو دراسة تأصيلية لبعض القضايا المقاصدية.
وعلى أية حال:
فعلم المقاصد لا زال بحاجة إلى تضافر جهود الباحثين؛ لحسم كثير من قضايه غير المحسومة.
ولا يفوتني في هذا السياق أن أَلفِتَ الانتباه إلى:
أهمية العناية بالجوانب الأخلاقية والحضارية للشريعة الإسلامية؛ فإنها في حاجة ماسَّة إلى الدراسات الاستقرائية التحليلية العميقة، التي تُعْنَى بإظهار محاسن الشريعة الإسلامية، ومن المحاولات الجادة النافعة في إبراز هذه الجوانب -: دراسة الأستاذ الدكتور عبد المجيد عمر النجار، في كتابه: ((مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة))؛ فإنه استفاد من آراء العلامة ابن عاشور في كتابيه المذكورين آنفا، وأضاف إليهما إضافات جادة، فتقدَّمَ خطوةً إلى الأمام في إبراز جوانب العظمة والإعجاز التشريعي في الإسلام.
ولعل الله ييسر ـ بمنة وكرمه ـ مناسبة حُسْنَى لبسط القول في المقاصد مسائلَ ودلائلَ؛ للاستفادة والإفادة.
هذا آخر ما يسره الله بمنه وكرمه من هذه المقدمة.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
¥