ثم ظهر بعد ذلك لون من التصنيف الأصوليِّ على خلاف المصنفات المذكورة آنفا فبدلا من الاجتهاد في استنباط الأصول وضبطها وتقنينها ثم تخريج الفروع عليها، ظهرت ـ على خلاف ذلك ـ طريقة الأحناف في التأليف الأصولي؛ تلك الطريقة التي اعتمدت الانطلاق من اجتهادات الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ومذاهبهم في الفروع واستقرائها للوقوف على الأصول والمدارك التي اعتمدوها في اجتهاداتهم، وقد كان هدف أصحاب هذه الطريقة وضع الأصول والمدارك التي كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه يعتمدونها في الاجتهاد والتخريج، فذهبوا إلى استنباط أصول الأدلة من خلال استقراء اجتهادات أئمة المذهب الحنفي وأقوالهم في الفروع لاستخراج الأصول منها، وقد كانت من أوئل المحاولات الناضجة في هذا اللون من التصنيف الأصولي جهود الإمام أبي زيد الدَّبُوسِيِّ (430 هـ)؛ في كتابيه: ((تقويم الأدلة))، و: ((الأسرار في الأصول والفروع وتقويم الأدلة عند الحنفية))، ثم صنف – من بعده – الإمام فخر الاسلام البزدويُّ، وشمس الائمة السَّرَخْسِيُّ كتابيهما في الأصول، فهذبا هذا الفن؛ فصار عليهم مُعَوَّلُ الفقهاء بعدهما.
ثم ظهرت بعد ذلك الطريقة الثالثة في التصنيف الأصولي؛ تلك طريقة التوفيق والتلفيق، وهي طريقة تقوم على الجمع بين طريقتي المتكلمين (أو الشافعية)، وطريقة الفقهاء (أو الأحناف) فأُلِّف فيها غيرُ كتاب؛ منها: كتاب: ((التحرير في علم الاصول الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية)) للكمال بن الهمام (861 هـ) وغيره.
إعمال المقاصد الشرعية في استنباط الأحكام:
هناك طريقة أخرى في الاجتهاد الفقهي تعتمد على ما وراء التشريع من غايات وأسرار، لاعتمادها مناطاتٍ ومناسباتٍ للأحكام؛ فتَكَوَّنَ من هذه الشذرات الاجتهاد المقاصديُّ في الاستنباط، الذي بدأت إرهاصاتُه في إشارات مبكرة جدا على يد الحكيم الترمذيِّ في: ((إثبات العلل))، و: ((مقاصد الصلاة))، وعلى يد أبي الحسن العامريِّ، وأبي بكر القفال الشاشي في كتابه غير المسبوق في فنه: ((محاسن الشريعة))،،، وغيرهم.
حتى جاء الإمام الجويني فبسط الكلام في مقاصد الشريعة ونَظَمَ مسائلها في سلك محكم، فكان أول من نبه إلى أهمية العناية بمقاصد الشارع، ومن مشهور قوله في ذلك: ((مَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِوُقُوعِ المَقَاصِدِ فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَيْسِ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ)) [البرهان في أصول الفقه: 1/ 295].
وجاء بعده تلميذه الوفيُّ الأمين على كثير من آراء شيخه في غير فنٍّ؛ ذلكم أبو حامد الغزاليُّ فوَسَّعَ الكلام على المقاصد في ((المستصفى))، و: ((شفاء الغليل في بيان الشَّبَه والمُخِيل ومسالِكِ التعليل))، وفي ((فضائح الباطنية)) المعروف بِـ: ((المُسْتَظْهِرِيِّ)).
ثم جاء بعد ذلك الإمام عز الدين بن عبد السلام (660هـ)، فوَسَّعَ الكلام في المقاصد، وأَصَّلَ وفصَّل في باب المصالح في كتابه الفذِّ الماتِعِ: ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام))، وطبق آراءه النظرية تلك في كتابه: ((شجرة المعارف والأحوال في صالح الأقوال والأفعال))، وكتابه: ((مقاصد الصلاة))، و: ((مقاصد الصوم))،، وغيرها.
ثم استفاد من ذلك تلميذه الوفيّ * الإمام شهابُ الدين القَرَافِيّ؛ فكانت أطروحاته امتدادا لآراء شيخه عز الدين، وتطويرا لها، ترى آية ذلك جلية في ((الفروق))، و: ((شرح التنقيح))، وتطبيقاتها في: ((الذخيرة)) , و: ((الأمنية))، و: ((الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام)).
كما كان لشيخ الإسلام ابن تيمية إسهام كبير في العناية بمقاصد الشريعة؛ لا سيما في كلامة على التيسير ورفع الحرج في مثل ((المسألة المَارْدِينِيَّة)) وغيرها.
وكذلك تلميذُهُ الإمامُ ابن القيم؛ لا سيما في ((أعلام الموقعين عن رب العالمين)) عند كلامة على الحيل، وسدِّ الذرائع،،، وغيرها من المباحث الأصولية المقاصدية التي وفَّاها الكلامَ بأتم البيان.
¥