في تفسير هذه الظاهرة!!
ومن المهم في هذا السياق الإشارةُ إلى الحاجة الماسَّة إلى استكشاف مراحل نُمُوِّ أصول الفقه في القرنين الثالث والرابع الهجريينِ؛ فإن هذه الحقبة لا زالت يَلُفُّها الغموض، ويحيط بها الرانُ، نسأل الله عز وجل أن يوفق الباحثين إلى استجلاء غامضها، وأن يرزقهم الإعانة على الإبانة عما لَفَّهَا من تطور ونموٍّ في علم أصول الفقه.
ويقارب الإمامَ أبا بكرٍ الباقلانيَّ في التصنيف الأصوليِّ القاضي عبدُ الجبار بنُ أحمدَ الهمذانيُّ، شيخُ المعتزلة (419 هـ)، ورائد النهضة الفكرية الاعتزالية الثانية، بعد اضمحلال النهضة الفكرية الأولى للمعتزلة التي قامت على يد الجُبَّائِيَّيْنِ: أبي عليٍّ وولدِهِ أبي هاشم؛ لازال مذهبهم إلى زوال واضمحلال!! فكتب القاضي عبد الجبار عدة مصنفات في الأصول؛ هي:
ـ الاختلاف في أصول الفقه:
ـ أصول الفقه:
ـ الدرس:
ـ الشرح:
ـ شرح العمد:
ـ المغني:
ـ النهاية:
ـ العُمَد في أصول الفقه.
ـ جزء الشرعيات من موسوعته الكبرى في الاعتزال: ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)).
ولم يصل إلينا من تراث القاضي عبد الجبار الأصولي سوى بعض كتاب العُمَد مع شرحه لأبي الحسين البصري، وجزء الشرعيات من ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)).
فاستقر علم أصول الفقه - بعد الإمام الباقلاني، والقاضي عبد الجبار - في نظرية محكمة منضبطة.
ويمكن أن ندرج جهود أبي الحسين البصري المعتزلي، المتوفى سنة: (436 هـ)، وتلميذ القاضي عبد الجبار في هذه المرحلة من التصنيف في كتابه ((المعتمد في أصول الفقه))، وكتابه ((شرح العُمَد)).
ثم تلاهما الإمام أبو المعالي الجوينيُّ، إمامُ الحرمينِ (478 هـ)، فأسهم في إتمام مباحث الأصول وصياغتها بما أوتي من عقلية عبقرية منظِّرةٍ فذَّةٍ، وقدرةٍ فائقة على البيان؛ فلخص تقريب الباقلاني في كتابه: ((التلخيص))، ثم صنف: ((البرهان في أصول الفقه))؛ ثم نحا مَن بعده نحوَهُ في التصنيف.
وتابع أبا المعالي الشيخُ أبو حامد الغزاليُّ الطُّوسِيُّ (505 هـ)، فبدأ بتلخيص آراء شيخه أبي المعالي في كتابه: ((المنخول من تعليقات الأصول))؛ مقتصرا فيه على تقييدات الجُوَيْنِيِّ في تعاليقه، ثم كتب ((المستصفى في الأصول))، فأسهم بذلك في اكتمال التأليف الأصولي على شكله المستقرِّ إلى يوم الناس هذا، وقبل المستصفى ألَّّف كتابه: ((شفاء الغليل في بيان الشَّبَه والمُخِيل ومسالِكِ التعليل))، عُنِيَ فيه بمبحث مسالك العلة من مباحث القياس الأصولي، كما اعتنى جدا بكثير من المباحث المقاصدية المتعلقة بضوابط المصلحة، والتعليل بالحكمة،،، وغيرها، كما ألف في الأصول كتاب: ((الأساس في القياس)).
ومن إضافات أبي حامد الغزالي المؤثرة في التصنيف الأصولي أنْ زاد في كتابه ((المستصفى)) المقدمة المنطقية التي استمدها من المنطق الصوري (المنطق الأرسطي)، واعتبر من لا يحيط بتلك المقدمة المنطقية ((فَلَا ثِقَةَ لَهُ بِعُلُومِهِ أَصْلًا)):
وليت أبا حامد ما فعل!!
فقد كان صنيعُهُ ذريعةً إلى دخول الأسلوب المنطقي الصوريِّ في التأليف الأصولي، وامتزاجه به امتزاج الماء باللبن؛ حتى صار مَذْقًا؛ فأصبح لزاما على طالب الأصول أن يُلِمَّ باصطلاحات المنطق الصوري واستدلالاته؛ حتى يتمكن من فهم المؤلفات الأصولية، وما كان أغنى الأصوليين ـ لولا صنيعُ الغزاليِّ وتتايُعُ الأصوليين بعده ـ: ما كان أغناهم عن ذلك المنطق التجريديِّ العقيم، الذي إن أحسنا الظن بمعطياته، قَنَعْنَا بنفعه لعقلية أصحابه الذين أبدعوه، فقد كان في اعتماد المنطق الصوري استبدالا للذي هو أدنى بالذي هو خير؛ إذ لدينا من أصول الاستدلال والقواعد المنهجية في القرآن والسنة ولغة العرب ما فيه الغُنية وزيادة.
¥