ولا ينبغي للباحث أن يَغفُل عن الآراء الأصولية المنسوبة إلى الأئمة، مما ليس مصنفا في كتاب، ففيها الإشارة إلى حال أصول الفقه وقياس مدى بُدُوِّ صلاحِهِ.

مع لفت انتباه الباحثين وطلبة العلم إلى أن تَلَمُّسَ معالم أصول الفقه في ذَيْنِكَ القرنينِ لا ينبغي أن يَقتصِر على تتبُّعِ هذه المصادر؛ بل ينبغي أن يُشفَع هذا التتبعُ بالآراء الأصولية المذكورة في كتب الخلاف؛ كـ: ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى))، وغيره، كما ينبغي التماسه من كتب الآثار الفقهية؛ كمصنفي ابن أبي شَيْبَةَ وعبد الرزَّاق، وكتاب الآثار لأبي يوسف، والخراج لابن أبي آدم،،، وغيرها.

إلى هنا ينتهى البحث إلى هذه النتيجة: لم تَعرِف حقبة القرنين الثالث وجُلَّ الرابع الهجريينِ مُصَنَّفًا مكتملا في فنِّ أصول الفقه، لا يُستثنَى إلا بضعةُ شروح لرسالة الإمام الشافعي؛ هي: شرح أبي بكر الصَّيْرَفِيِّ (330 هـ)، وشرح أبي الوليد النيسابوريِّ (349 هـ)، وشرح القَفَّالِ الشَّاشِيِّ الكبير (365 هـ)، وشرح أبي بكر الجَوْزَقِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ (388 هـ)، ومن المتأخرين عنهم الإمامُ أبو محمدٍ الجُوَيْنِيُّ والدُ إمام الحرمينِ (438 هـ)، إلا أن هذه الشروح محكومة بالكتاب المشروح؛ فلا ينسب اكتمال المباحث الأصولية فيها إلى اختيار الشُّراح؛ بل مَرَدُّ ذلك الفضلِ إلى الكتاب المشروح، وليس من هذه الشروح ما قُدِّرَ لنا الوقوفُ عليه للحكم على طبيعة التصنيف الأصوليِّ فيه، ومدى ما أضافه هؤلاءِ الشُّراحُ إلى علم أصول الفقه في المسائل أو الدلائل؛ إذ إن هذه الشروحَ جميعَها مفقودٌ، أو في حكم المفقود؛ لولا نَزْرٌ يسيرٌ منها حُفِظَ لنا فيما ينقله عنها الإمام الزركشيُّ في كتابه الحافل ((البحر المحيط في أصول الفقه)).

حتى جاء في أواخر القرن الرابع الهجري عُقْبَى ليلٍ منه -: الإمامُ القاضي أبو بكر الباقلانيُّ، المتوفَّى في أوائل القرن الخامس؛ (403 هـ) رضي الله عنه، فكان أول من بَعَجَ أصول الفقه، وصاغة في هيكل محكَم منظم، ونظم مباحث في نظرية عامة ناضجة، فاتَّسَمَ التصنيفُ الأصوليُّ بالمنطقيَّةِ في ترابُطِ موضوعاتِهِ، والمنهجيَّةِ في التأليف، والاطِّراد والاستقرار في المصطلحات؛ فاستقر علم أصول الفقه على شكله الموجود بيننا الآن أو كاد؛ فألف الباقِلانيُّ في الأصول مصنفات متنوعة؛ هي:

ـ التقريب والإرشاد الكبير.

ـ التقريب والإرشاد الأوسط.

ـ التقريب والإرشاد الصغير.

ـ الأحكام والعلل.

ـ أمالي إجماع أهل المدينة.

ـ المقتع.

ـ تمهيد الدلائل وتلخيص المسائل: والراجح أنه: ((التمهيد في الرد على الملاحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة)) في علم الكلام، وقد طبع ببيروت بعنوان: ((تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل))، بتحقيق عماد حَيْدَر، الطبعة الأولى، سنة: 1987 م، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت – لبنان؛ فتبين بذلك خروجُهُ عنِ المصنفات الأصولية، وإنما ذكرته للتنبيه عليه.

ولم يصلنا من مصنفات الباقلانيِّ الأصوليَّةِ سوى جزء من كتابه: ((التقريب والإرشاد الصغير))، و: ((تلخيص)) أبي المعالي الجويني للتقريب والإرشاد، وفيهما يظهر اكتمال البناء الأصولي، واستيعاب المسائل، ونضج الاستدلال؛ كما قد أشير إلى ذلك آنفا.

ولا ينبغي إغفال جهود الإمام أبي بكر الجصَّاص (370 هـ) الأصولية؛ في مَعْلَمَتِهِ الأصولية: ((الفصول في الأصول))، وليس في أيدينا ما يشير إلى تأثر أحد من الباقلانيِّ والجصَّاص بالآخر؛ لاختلاف المناهج، وتبايُن الطرائق، إلا أن جهودهما الأصولية تمثل انتقال علم الأصول من إرهاصات النشأة وطَوْرِ التكوين، إلى طَوْرِ النُّضْجِ، واكتمال المباحث، وإحكام الصياغة.

وإن كان في القلب شيءٌ من هذه النَّقْلَةِ النَّوْعِيَّةِ - وإن شِئْتَ فَسَمِّهَا الطَّفْرَةَ - التي حدثت لهذا العلم في الفترة ما بين الإمام الشافعيِّ إلى الإمامين الجصاص والباقلاني؛ فمن الغريب أن يتطور هذا العلم هذا التطوُّر الكبير بين عَشِيَّةٍ وضُحاها دون أيَّةِ محاولات تحت أيدينا تشير إلى إرهاصات هذا التطور، لولا ما نتعلل به من عبقرية ذَيْنِكَ الإمامينِ الجصَّاصِ والباقلانيِّ الأصوليةِ، وقد تُظهِر لنا جهود الباحثين في تحقيق التراث ما يفسر لنا التدريج الطبيعي لعلم أصول الفقه، ولعل عند غيري في هذا جديدا يفيد

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015