قول عليِّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه، في تعليل تغليظ حدِّ الشارب ـ: ((إِذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الشُّرْبِ ثَمَانُونَ، وَحَدُّ المُفْتَرِِي ثَمَانُونَ)).
ومثل ذلك أن مذهب عبد الله بنِ مسعود - رضي الله عنه، فِي المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملا -: إنها تَعْتَدُّ بوضع الحمل, وَقَالَ مُبَيِّنًا مَدْرَكَ هذا القولِ: ((مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ؛ أنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الصُّغْرَى؛ {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ))، وَأَرَادَ بِهِ قوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ}،،، الآيةَ، وَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا عَلَى مَنْ أناط العدة بأبعَدِ الأجلَيْنِ، وفي هذا الاستدلال إشارةٌ واضحةٌ إلى اعتبار آخِرِ النَّصَّيْنِ، عند تعارض المتكافِئَيْنِ، وتعذُّرِ الجمع بينهما، فيصار - حينئذ - إلى الترجيح بنسخ المتقدم بالمتأخر.
ثم سار على نهج الصحابة أئمةُ الصدر الأول من فقهاء التابعين وتابعيهم، ومن تأمل الآثار الفقهية عن أئمة الفتوى في عصر دولة بني أمية؛ قبل تدوين الفقه والأصول -: وجد من بيان مدارك الاستدلال وقواعد الاجتهاد شيئا كثيرا؛ من ذلك استدلالات أئمة تلك العصور العصور؛ كالقاضي شُرَيْح، وإبراهيمَ بنِ يزيدَ النَّخَعِيِّ، ومكحولٍ الدمشقيِّ، وحمادِ بنِ أبي سليمان الأشعريِّ، وبُكَيْرِ بنِ عبد الله الأَشَجِّ، وأبي الزِّنَادِ عبدِ الله بنِ ذَكْوَانَ القُرَشِيِّ، وزيد بن أَسْلَمَ العَدَوِيِّ، وربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن المعروف بربيعةَ الرأي، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ومالك بن أنس الأصبحي.
وإن كانت تلك القواعد الاجتهادية المستدل بها في اجتهاد أعلام هذه الحقبة وعلمائها -: لا زالت في حاجة إلى دراسة تحليلية جادَّة تُبرِز أصول الفقه عندهم، وتجلِّي قواعدهم في الاستدلال، وتبرز طرائقهم في الاستنباط.
من المراجع في موضوع أصول الفقه في الكتاب والسنة وقبل التدوين:
ـ الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية: لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، المتوفى سنة: 716 هـ.
ـ الفتح المبين في طبقات الأصوليين: للشيخ: عبد الله مصطفى المراغي.
ـ منهج عمر بن الخطاب في التشريع؛ دراسة مستوعبة لفقه عمر وتنظيماته: رسالة الماجستير لأستاذنا الدكتور/ محمد بلتاجي حسن.
ـ مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري: رسالة الدكتوراه لأستاذنا الدكتور/ محمد بلتاجي حسن.
ـ أصول الفقه قبل التدوين وبعده: للدكتور: محمد أنور إبراهيم، رسالة دكتوراه بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، إشراف الدكتور الشيخ: عبد الغني عبد الخالق، سنة: 1398 هـ، 1978م.
ـ الاجتهاد بالرأي في مدرسة الحجاز الفقهية: للدكتور/ خليفة بابكر الحسن.
ـ الفكر الأصولي: لفضيلة الدكتور الشيخ/ عبد الوهاب أبو سليمان، دار الشروق، 1404 هـ.
ـ الرأي وأثره في مدرسة المدينة، دراسة مهجية تطبيقية تثبت صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان: للدكتور/ أبو بكر إسماعيل محمند ميقا، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1405 هـ، 1985م.
ـ أصول فقه الإمام مالك النقلية: للدكتور: عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان، رسالة دكتوراه، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بإشراف الشيخ الدكتور/ يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، سنة: 1411 هـ، وهي من مطبوعات عمادة البحث العلمي بجامعة الإمام.
ومن ذلك الأبحاث المعنية بالآراء الفقهية والمناهج التشريعية لفقهاء ما قبل المذاهب الفقهية؛ ومنها:
ـ مجموعة الأستاذ الشيخ الدكتور/ محمد أبو زهرة عن الأئمة الأربعة.
ـ الأوزاعي: للأستاذ الدكتور/ صبحي المحمصاني.
ـ الأئمة الأربعة للأستاذ الدكتور/ مصطفى الشكعة،،، وغيرها].
وَضْعُ علم أصول الفقه:
سبقت الإشارة إلى أن القواعد الأصولية كانت معلومة للمجتهدين منذ عصر الصحابة، وتأسيسا على ذلك: فالمراد بوَضْعِ علم أصول الفقه بدايةُ التأليف فيه، وجمعِ شتاته في مؤلف واحد، وقد سَبَقَ وَضْعَ علم أصول الفقه - بهذا المعنى - عِدَّةُ محاولات بدأت بالتصنيف في بعض المسائل التي هي من أقسام علم الأصول؛ ومن ذلك:
محمد بن الحسن الشيباني؛ صاحب أبي حنيفة، المتوفى سنة: 189 هـ، ومما ينسب إليه من المصنفات الأصولية الجزئية:
¥