المقدمة الثانية: في تاريخ علم أصول الفقه وأهم المصنفات فيه:

لمَّا كان لهذه القواعد الاجتهادية والقوانين الاستنباطية هذه الأهمية البالغة والقيمة الكبيرة -: فقد وردت أصولها في كلام الشارع؛ في الكتاب والسنة، ثم في آثار السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأئمة الفقه المهتدين:

ففي القرآن الكريم؛ تجد تنبيهاتٍ كثيرةً إلى قواعد الاجتهاد؛ ومن ذلك:

ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}؛ فدَلالتها ظاهرة على وجوب الاجتهاد وبذل الوسع في الوصول إلى الحكم، ومنع الحكم بالتَّشَهِّي، وبغير برهان من الله.

ومثله في الدَّلالة: قوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

وقوله - عز وجل -: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ}؛ مع أن ما يدعوه المشركون من دون الله لا برهان له، ولا حجة عليه؛ {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، ومع بدهية هذا كله وقَطْعِيَّتِهِ، جاء النسق القرآني يطلب من منكري الوحدانية البراهينَ والحُجَجَ على ما هو مقطوعٌ ببطلانه؛ فكان في هذا القيدِ التنبيهُ على أن الدعاوى لا قيمة لها لولا اليبِّناتُ، والمزاعم خفيفةُ الوزن لولا الحُجج والبراهين.

ـ وقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}؛ فدلالتها كذلك ظاهرة في قيام الشريعة على التيسير ومراعاة مناسبة التكاليف لطاقات المكلفين فيما خوطبوا به.

وقوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ}؛ فدلالتها واضحة على حجية القياس.

وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}: لدَلالتها على وجوب تحصيل اليقين فيما لا يكفي فيه الظن،،، إلخ.

ـ وكذلك ورد في السنة النبوية التنبيه على تلك القواعد الاجتهادية؛ ومن مطاهر هذا التنبيه:

قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ))، ومثلُهُ قولُهُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدَّيْنَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا))؛ فهذان الحديثان، وما كان في معناهما يفيدان اعتماد هذا التشريع مراعاة التيسير على المكلفين، فيما خوطبوا به من التكاليف.

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ)): إذ دَلالته واضحة على أن الأمر للوجوب، وعلى أن التكليف في الأوامر على قدر الطاقة، وعلى أن التكليف في النواهي يقتضي مطلق الاجتناب المنخرم بالفعل ولو مرة واحدة؛ ولذلك فمخالفة النهي تقتضي تكرر الإثم والتعزير؛ بسبب أن الإثم رَتَّبَهُ الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود، وتحققها دائر مع وجود المنهي عنه حيث دار.

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحج: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَأَعَادُوا، قَالَ: لاَ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ)): فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ، لَوَجَبَتْ)): فيه دَلالة واضحةٌ على أن الأمر للوجوب أيضا.

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في السواك: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ)): فيه دَلالة أيضا على أن الأمر للوجوب.

فكانت هذه الآيات والأحاديث وأمثالها بمثابة المُنَبِّهِ الحاثِّ للمجتهدين على إيلاء هذه القواعد الرعايةَ الكبرى، فاجتهد العلماء منذ عصر الصحابة في تعليل الأحكام، وبيان مَدْرَكِ المذاهب والأقوال؛ فكانوا يشفعونها في أكثر الأحوال بالقاعدة الأصوليةِ المستدَلِّ بها على ما انتهى إليه اجتهادُهم؛ ومن ذلك:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015