ليست المشكلة أن هناك عللاً محتملة غير التشبه، هذا ممكن، ولكن المشكلة هو تقديم العلل المحتملة على العلة الظاهرة الواضحة وتسليطها على النص واعتبارها في تقرير الحكم أكثر من اعتبار العلة التي ذكرها الشارع ورتب عليها الحكم بشكل مباشر. وأما العلل المحتملة في حال انتفاء العلة الأصلية فعلل لا تقوى على إيجاب الإعفاء وتحريم الحلق أو الأخذ ولمن يقول بغير هذا القول أن يأت بحديث فيه النهي عن الحلق او الأخذ لعلة تغيير خلق الله. وأما حديث الفطرة فعام، والعموم لا يقضي على الخصوص، فمن الفطرة السواك، فهل تركه حرام؟ فإن قال قائل: ثبتت سنية السواك بأحاديث أخر، قلنا: كذلك اللحية ثبت وجوب إعفاؤها بأحاديث أخر،وحديث الفطرة وحده لا يوجب أو يحرم ما تضمنه بنفسه، وإنما بأدلة أخرى، فاللحية كذلك، ولكنا لما رجعنا إلى هذا الدليل الذي أوجب إعفاء باللحية وجدناه قد علق الأمر على علة معتبرة أقرها واعتبرها الأئمة كما نقلت سابقاً. زد على ذلك أن حلق اللحية أو الأخذ منها لو كان محرماً لذاته، لجاء به الدليل المستقل، كما جاء بحق الخمر والربا وغير ذلك، ولو كان الإعفاء أمراً تعبدياً غير معقول العلة ولا الحكمة لما كان لذكر العلة من فائدة ولكان لغواً بل إقحاماً لا طائل من وراءه، كما أنه لو كان الإعفاء واجباً لذاته،، ولجاء دون حاجة لذكر أي علة.

أما قول أخينا الفاضل أحمد شبيب: "الاضباع والرمَل كان لإغاظة المشركين والكفار في مكة, واظهار نشاط المؤمنين أمامهم.

ها قد زال السبب الآن,

ولكن الحكم هو الحكم.

وقس على غير هذا من الأحكام".

فخطأ ظاهر أن نقيس على هذا غيره من الأحكام لأن الأحكام التي تدور مع علتها كثيرة في الشرع، والتلازم فيها بين الحكم والعلة تلازم مطرد، أي زوال العلة فيها مؤثر في الحكم مباشرة. وهناك فرق آخر وهو أن الأمر بالرمل كان لعلة، ولكن لما زالت، بقي الأمر على الاستحباب لا الوجوب، فلا يجب علينا الرمل اليوم كما وجب على الصحابه في أول الأمر، والشيء الذي أبقى على الحكم هو مع تخلف السبب هو فعله (ص) للرمل في حجة الوداع، ومع ذلك لم يبق على وجوبه الأول لأنه زال السبب حيث أصبح المسلمون في عزة وقوة وظهور، فكان فعل الرسول آخراً لبيان سنية الرمل فقط. أي أن زوال السبب أثر في الحكم فنقل الرمل إلى عدم الوجوب، ولكن لما فعله الرسول (ص) في آخر حياته دون إلزام منه لأصحابه رضي الله عنهم أخذ الرمل حكماً جديداً هو الاستحباب، فبقي الحكم بإبقاء الرسول (ص) له ولم يبق هكذا بنفسه مع زوال السبب، ومع ذلك لم يبق واجباً، لزوال السبب، وإنما بقي على أقل أحوال الأمر الذي هو الاستحباب.

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[09 - Feb-2009, مساء 11:01]ـ

"فكما تعبت معك اتعب معي قليلاً لنصل من خلال نقاش مؤصل إلى فائدة وثمرة حقيقية بعيدة عن الكلام النثري العادي"

يسعدني أن "أتعب معك" أخي الفاضل، وأسأل الله أن يهديني وإياك إلى الرشد، فما جئنا إلى هنا إلا من أجل هذا، نسأل الله الإخلاص.

ولكن إن كنت لا ترى في شيء مما ذكرتُه في المشاركات السابقة إلا أنه من "الكلام النثري العادي"، فهذا حيف منك، عفا الله عنك .. كيف يكون كذلك وقد علمت أنه ما من قاعدة في أصول الفقه إلا ولها استثناءات، وأنه لا يلزم أن يجري كل عام على جميع أفراد العموم؟؟ أليس من الممكن أن تكون قاعدة بعينها لا تسري على مسألتنا هذه؟؟! أم أن مجرد قول من قال من أهل العلم بأن المخالفة في هذه النصوص علة، يلزم منه دخولها تحت سائر قواعد العلل، ويجعل جميع ما تفضلتَ به من كلام فيها من القطعيات التي تظهر كلها من مجرد النص، فلا يكون القول بخلافه إلا خروجا غير سائغ عن طرائق أهل الأصول في النظر؟

وإن قلنا بأنها تدخل من جهة التنظير المجرد فقط، وأن زوال العلة غير متصور، فما ثمرة النظر فيها على هذا الاعتبار؟؟ وما تأثير ذلك على حكمها في الماضي، وفي زماننا هذا وما الفرق وما الدليل على ذلك التفريق إن وجد؟؟ وما أثر ارتفاع وجوب الإعفاء إن قلنا بارتفاع العلة في يوم من الأيام؟

أقول لك، نعم في النصوص التي ذكرتها إيماء بالعلة، وسأسلم لك بأنها هي علة التشريع، ولكن لن أسلم لك بأنها من العلة التي تجري عليها قاعدة (الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما)! لأنني كما بينت لك لا أتصور عدم تلك العلة أصلا! فالانسان إما أن يكون ملتحيا وإما أن يكون حليقا (والدرجات التي بين ذلك ليس ههنا محل الكلام عنها) .. وأهل الكتاب الذين تعلل التشريع بمخالفتهم، اليهود والنصارى، اللحية شعار على التدين في طوائف منهم، وحلقها شعار على التدين في طوائف أخرى، ولا يتصور زوال ذلك الحال عن مجموع أهل الكتاب أصلا! فبعيدا عما ذكرت لك من علل وأقيسة، بين لي أكرمك الله كيف يمكن أن يأتي زمان لا يكون فيه من رؤوس أهل الكتاب رجل واحد يعفي لحيته تدينا وتعبدا؟؟؟ أوقد علمنا أنهم يتسننون في ذلك بسنن الأنبياء التي جاء ذكرها في كتبهم كما في القرءان؟؟؟ أقول لك سلمت بأنها علة، واتفقت معك ولله الحمد على أننا اليوم في زمان لا تزال فيه علة وجوب الإعفاء ظاهرة متحققة .. ولكن سؤالي كيف تتصور أن يأتي زمان تزول فيه تلك العلة أصلا؟؟؟ وعليه، فما ثمرة البحث فيها أصلا؟؟؟

هذا ليس كلاما إنشائيا أخي الحبيب .. ولكنه نظر في تصور تلك العلة نفسها! فإن لم يمكنني تصور إعمالها في هذه المسألة، فما فائدة أن أقول للناس - مثلا - أنه لو جاء يوم أعفى فيه جميع أهل الكتاب لحاهم، فسيجب عليكم أنتم حلقها؟؟؟

القضية الثانية هي الكلام في الحكم الحالي لها، على القول تنزلا بأن العلة ربما زالت مستقبلا .. بأي قرينة سلفية أو دليل أثري استفدت - وفقك الله - إنزال الأمر على الاستحباب وليس الوجوب؟ الأمر بالإعفاء كالأمر بمخالفة اليهود والنصارى، أمر وجوب، وعلى التعليل نقول: إن حلقوا هم وجب علينا الإعفاء، والعكس بالعكس ..

أليس يلزم للمصير إلى الاستحباب وارتفاع الإثم عن المخالف أن يرد نص أو يقوم دليل يفيد أنه لا حرج على ذلك المخالف؟ القصد: أي سبيل من سبل المصير إلى الاستحباب وارتفاع الإثم عن المخالف اتبعته في حالتنا هذه، وما دخل هذا بالعلة؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015