لم أقل أن الشارع وضعها عبثا وحاشاه، وإنما أقول أنها تستثنى من قاعدة التعليل التي تطلق فيما يناظرها من المسائل .. فالعلة ليست منصوصا عليها بنص صريح هنا، فالقول بها محل نظر واجتهاد، وهو اجتهاد منقوض في حالتنا هذه كما بينت، فتأمل بارك الله فيك!
لأن الحلق إذا صار منتشراً شائعاً في العالم كله، فماذا بقي من مخالفة لتخالف، فلماذا نوجب الإعفاء وقد انتفت العلة؟
هذا غير متصور أصلا، فما فائدة التعلل به؟
ولكن يشترط أيضاً - كما هو الحال في الثوب الأبيض في مسألة ابن عثيمين - ألا يكون الحلق محرماً لصفة أخرى قامت به كإرادة التخنث و قصد التأنث أو ازدراء اللحية كهدي نبوي، الخ.
فإذا كان محرما لمثل هذه الأمور، - إلى جانب النصوص التي نتناقش الآن في تعليلها - أفتظل قاعدة الحكم يدور مع العلة، في حالتنا هذه، مطردة، بحيث إذا زالت العلة زال معها حكم التحريم؟؟ تأمل إذا من لا ينوي أو يقصد هذه الأمور التي تفضلت بذكرها، ولكنه يدخل في مظنتها حتما إن هو حلق لحيته، أفيجوز له الحلق إن افترضنا زوال علة المشابهة؟
السؤال هو: إن تحقق أن زوال ما تراه علة = لا يلزم منه زوال الحكم، هل يصح - مع ذلك - القول باعتبارها علة للحكم، تجري عليها قاعدة الوجود بالوجود والعدم بالعدم؟ وإن تبين لنا أن ما تراه هو العلة لا يتصور زواله أصلا، حتى يتعلق به الحكم وجودا وعدما، فماذا يبقى للقول بهذا التعليل من قيمة؟
علل كثيرة؟ هاتها من فضلك، ولتكن هذه العلل في قوة وصراحة الأمر بالمخالفة.
العلل والأقيسة منها على سبيل المثال: القياس على المثلة في حلق المرأة لشعرها، ومنها قياس الأولى في النهي عن النمص وتغيير خلق الله بإزالة ذلك الشعر (وهو قليل فكيف باللحية الوافرة التي تغطي نصف وجه الرجل؟؟)، ومنها علة التشبه بالنساء والمردان، ... الخ.
كل واحدة من هذه العلل تكفي لاطلاق تحريم الحلق بلا تقيد بمخالفة أو مشابهة، وفي المقابل، فالمتمسك بهذا التعليل (مشابهة أهل الكتاب) يجد أن العمل به إن قصدنا إليه غير متصور أصلا، حتى وإن كان النص في صورة قد يدل القياس الظني على مثلها من المسائل على صحة التعليل به ..
أما اطراد عمل القرون الأولى به فليس دليلاً لإيجاب أو تحريم إلا إذا نقل كإجماع، ومعلوم أن الإجماع له شروطه المعروفة. أما اطراد عملهم فهو يدل على تمسكهم بالحكم لاطراد العلة في زمانهم، فإنهم قد فقهوا الأحاديث الآمرة بالإعفاء وفقهوا أن ذلك للمخالفة، كما فقهوا أن صيام يوم قبل عاشوراء أو بعده مخالفة لليهود وعملوا بذلك، فهم أفقه من أن يجهلوا مراد الشارع بذكر العلة.
أخي الفاضل، إذا كان الصحابة والسلف قد أثر عنهم الكلام فيمن أخذ منها، وفيم كان ذلك وما مقداره، ألا يكون من تجوز منهم حتى أزالها بالكلية وحلقها بالكلية، أولى بأن ينقل لنا الصحابة والسلف فعله هذا؟؟؟ الدواعي ولا شك متوافرة للنقل ولكن ليس ثم نقل بمثله! فقولك وفقك الله أن عدم النقل لا يعني العدم لا يسلم لك به هنا!
نعم إن صار الحلق ظاهرة عامة منتشرة بين شعوب العالم مسلمة وغير مسلمة لم يعد هناك داع لإيجاب الإعفاء وتحريم الحلق،
هذا الكلام غير دقيق! فهي اليوم ظاهرة عامة منتشرة بالفعل بين الشعوب، ولكن اللحية كانت ولا تزال شعارا لكهنة ورهبان اليهود وغيرهم من أهل ملل الكفر كالسيخ وغيرهم .. وهذا لا دخل له بما شاع بين (الشعوب)، ولا يمكن إلا القول بأن الحال في شأن أئمة تلك الملل ورهبانها - والذين تكون نسكهم وشعائرهم بالضرورة آكد كشعار لأهل الملة - اليوم هو كما كان في زمان الوحي، كما يكون في كل زمان .. فيكف يكون إجراؤك للتعليل إذا؟ وعلى أي محمل يجوز حمل الأمر على ما دون الوجوب؟؟؟
هنا يأتي كلامي عن الشق الثاني من الإيضاح ألا وهو منهجي العملي الواقعي: وهنا أقصد الواقع الآن. لا التقعيد النظري للمسألة مجردة عن أي سياق،
التقعيد النظري للمسألة عندك لم ينضبط ليس بسبب الواقع الآن ولكن بسبب أن العلة غير متصورة عند التحقيق ..
من قال أنا نطلب ذلك أصلاً؟ السلف طبقوا الحديث كما هو، أي أعفوا اللحى تحقيقاً للمخالفة المطلوبة في أيامهم (وأيامنا كذلك لوجود العلة)،
وسائر الأيام يا أخي الكريم لأنها كما أسلفت لا يُتصور إرتفاعها ..
فلم يكونوا بحاجة إلى الحلق ولم يجدوا داعياً للقول بجواز حلقها في أيامهم، رحمهم الله ورضي عنا وعنهم.
لو تعلق الأمر بوجوب المخالفة، وصار أهل الكتاب شعارهم إعفاؤها، فهل يكون المصير حينئذ إلى "جواز الحلق" أم إلى "وجوب الحلق"؟؟ لو قلنا الجواز، وبقي البعض من المسلمين ملتحيا، فإنه يكون بذلك مخالفا للنص لأن المخالفة التي يوجبها النص، توجب عليه الحلق إذا، وليس الكلام على مجرد الجواز! فالذي يأتي في محل الوجوب في حالتنا هذه: الحرمة، وليس الإباحة، فتأمل ..
والمسألة مفترضة فيما إذا جاء على الناس وقت لم يعد للعلة فيه أثر، وهذ لم يحصل بعد، وربما يكون حصوله مستبعد،
إذا فما فائدة القول بمثل هذا التعليل إذا يا أخي الكريم؟ أهو لمجرد لاطراد القاعدة الأصولية وحسب، حتى وإن كان لا تصور العمل به أبدا؟؟
¥