أنَّ شيخَ الإسلام تكلَّمَ في مواضع من الفتاوى عن الحائض التي لا رفقة تصبر معها، وقرَّرَ بوضوح أنها في حكم المصلي يعجز عن بعض واجبات الصلاة، وذكرَ أنَّ هذا القول تدلُّ عليه أصول الشريعة، نصَّ على فساد الاحتمالات الأخرى التي ذكرها؛ ومنها احتمال إعطائها حكمَ المحصر.
فتأملتُ فيما نقله الإمام ابنُ مفلح والبعلي والمرداوي، وظهر لي أنَّ ظاهرَ عبارة البعلي لا إشكالَ فيها، بخلاف ظاهر عبارة ابن مفلح والمرداوي، وذلك أنَّ نصَّ البعلي:
(ومثلهما حائضٌ تَعذَّر مقامها وحرم طوافها، ورجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة).
أما عبارةُ ابن مفلح والمرداوي فهي: (وأنَّ مثلَه حائضٌ تَعذَّر مقامها وحرم طوافها، أو رجعت ولم تطف لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، ولو لذهاب الرفقة).
والفرقُ الجوهري بين النقلين هو في لفظة (أو رجعت) كما في نقل ابن مفلح والمرداوي، بينما هي في نقل البعلي (ورجعت)، ووجه الفرق:
أنَّ شيخَ الإسلام يفتي في الحائض التي رجعت ولم تطف للأسباب المذكورة لأنَّ لها حكمَ المحصر، هذا هو ما يدل عليه نقلُ البعلي عنه، وأما نقلُ ابن مفلح والمرداوي فيدلُّ على أنها في حكم المحصر مطلقاً سواء أرجعت أم لم ترجع.
فظهر لي أنَّ الصوابَ ما نقله البعلي، ولعلَّ ما في الفروع والإنصاف تصحيف، ويتأيَّد ذلك بأنَّ لشيخ الإسلام كلاماً في الفتاوى يؤيد ظاهرَ نقل البعلي، وذلك في (26/ 246، 247) حيث سُئل عن امرأة حجَّت وأحرمت لعمرة وحجة قارنة، ودخلت إلى مكة وطافت وسعت، وتوجهت إلى منى، ثم إلى عرفة، ووقفت ثم عادت إلى منى، ونُحر عنها ما وجب عليها من دم، ورمت الجمار يوماً واحداً، ودخلت إلى مكة وطافت، وعندما حضرت الحرم حاضت ورجعت إلى منى، وكتمت وهي محققة أنَّ حجَّها قد كمل، وعادت إلى بلدها، وبعد سنتين اعترفت بما وقعَ لها قيل لها: يلزمك العود، ولم يمكِّنها زوجها والحالة هذه.
فأجاب:
إن كانت قد طافت طوافَ الإفاضة وهي حائضٌ والحالة هذه ناوية أجزأها الحج في أحد قولي العلماء؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، وغاية ما يجب عليها عند أبي حنيفة بدنة، وعند أحمد دم وهي شاة.
وأما إن كانت لم تطف تحللت التحلل الأول، وجاز لها الطيب وتغطية الوجه وغير ذلك، لكن لا يطؤها زوجها حتى تطوف طواف الإفاضة
فإن لم يمكنها العودُ فغاية ما يمكن أن يرخَّصَ لها فيه أنها
تكون كالمحصرة تحلل من إحرامها بهدي
ولكن الأحوط أن تبعثَ به إلى مكة ليذبح مثل أن يذبح يوم النحر، فإذا ذبح هناك حلَّت هنا، وجاز لزوجها أن يطأها والحالة هذه ... ).
فهذا النقلُ عن شيخ الإسلام يوافقُ ظاهرَ ما نقله البعلي في الاختيارات
وبهذا يتبيَّن أنَّ شيخَ الإسلام رحمه الله يرى أنَّ الحائض التي ليس معها رفقة تنتظرها فيجوز لها أن تطوف، وحكمها حكم المصلي يعجز عن واجب من واجبات الصلاة.
فأما من رجعت إلى بلدها ولم تطف ولم يمكنها الرجوع فتُعطَى حكمَ المحصر.
ـ[عدنان البخاري]ــــــــ[11 - عز وجلec-2008, صباحاً 01:13]ـ
/// بارك الله فيكم يا أبا محمد ونفع بكم ..
/// وهنا فتوى للجنة الدَّائمة (11/ 350) توافق ما ذكره الفنيسان، من عدِّ من منع الحج وصُدَّ عنه لعدم التَّصريح محصرًا:
السؤال الثاني من الفتوى رقم (9204)
س2: ذهب أحد الزملاء المتعاقدين إلى الحج العام الماضي، وعندما ذهب إلى المدينة وأحرم من ميقات المدينة واتجه إلى مكة وهناك وعند نقطة الحراسة أمروه بإخراج تصريحه المسموح به للحج، ولكنه كان قد حج العام الذي قبله، ولم يعط تصريحًا، فرجع بأمر منهم. هل تعتبر حجته عليها ثواب في ذلك بالرغم أنه لم يدخل مكة وكان قد أحرم؟
ج2: أولًا: لا إثم عليه في تحلله من إحرامه ورجوعه دون أن يتم حجه؛ لأنه مغلوب على أمره، والله عليم بحاله رحيم بعباده، فيجزيه على قدر ما فعل من أعمال الحج بإخلاص.
ثانيًا: من كان قد اشترط عند إحرامه بأنه إن حبسه حابس فمحله حيث حبس فلا يلزمه شيء، وإن لم يكن قد اشترط ذلك فعليه هدي يذبحه حيث أحصر؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}، ثم يحلق رأسه أو يقصر؛ وبذلك يكون حله من إحرامه. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو: عبد الله بن قعود/ عضو: عبد الله بن غديان/ نائب رئيس اللجنة: عبدالرزاق عفيفي/ الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
ـ[الحمادي]ــــــــ[11 - عز وجلec-2008, صباحاً 01:34]ـ
[ INعز وجلصلى الله عليه وسلمNT]/// بارك الله فيكم يا أبا محمد ونفع بكم ..
/// وهنا فتوى للجنة الدَّائمة (11/ 350) توافق ما ذكره الفنيسان، من عدِّ من منع الحج وصُدَّ عنه لعدم التَّصريح محصرًا .... [/ Cصلى الله عليه وسلمNTصلى الله عليه وسلمR]
وفيكم بارك الله وبكم نفع أبا عاصم
إنما كان غرضي التنبيه على ذينك الوهمين، ثم تحرير رأي شيخ الإسلام في المسألة الثانية.
وأما حكم من مُنِعَ عن الحج لعدم التصريح فمسألة أخرى، وجزاكم الله خيراً على الإفادة بنقل فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء.
والذي يظهر لي أن أخانا الشيخ حارثاً الهمام لا يعارض في كون الممنوع من الدخول الذي لم يتمكن منه مطلقاً لعدم التصريح= محصراً، إنما محل النظر في عد من ليس معه تصريح محصراً بإطلاق، فقد يتيسر له الدخول مباشرة، وقد يتيسر له في يوم عرفة، وقد يتيسر له بسلوك بعض السبل المباحة من غير ارتكاب محظور.
¥