خروج النساء،وهن يضربن بالدف لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم عند الهجرة.

مناقشة الدليل والاستدلال: هذه القصة لا تثبت فهي ضعيفة السند، إذ سقط من إسنادها ثلاثة رواة أو أكثر، ولو صحت لكان فيها دليل على جواز ذلك عند قدوم الغائب كما مر معنا، وقد ضعف القصة الحافظ العراقي والألباني وغيرهما.

الدليل الرابع:

عن نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فوضع يديه، وأعاد راحلته إلى الطريق، وقال: [رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع زمارة راع فصنع مثل هذا] وقد رواه أحمد وأبوداود. قالوا: فلو كان سماع الزمارة حراماً، لأمر ابنُ عمر نافعاً أن يسد أذنيه.

مناقشة الاستدلال: سدَ النبي صلى الله عليه وسلم لأذنيه وسدَ ابن عمر لأذنيه من أوضح الأدلة على أن ذلك الصوت من المنكر،و المحرم هو الاستماع لا السماع وفرق بين الأمرين، فالاستماع: هو قصد السماع، أما السماع فيطلق على مجرد ملاقاة الأصوات للسمع دون قصد، وهذا مثل من كان مجتازاً بطريق فمر على من يقول كفراً أو كذباً أوغيبة، فسمع ذلك منه دون استماع، لم يأثم بمجرد السماع باتفاق المسلمين، ولو جلس واستمع إلى ذلك، ولم ينكره لا بقلبه، ولا بلسانه ولا بيده، كان آثماً باتفاق المسلمين، فلو أن ابن عمر ونافعاً لم يسدا أذنيهما فلا شيء عليهما؛ لأنهما لم يقصدا الاستماع، ولا تلازم بين القول بتحريم آلات المعازف وبين وضع الأصابع في الأذنين عند سماعها، فالقائلون بتحريم آلات المعازف لا يوجبون على أحد أن يضع أصبعيه في أذنيه عند سماعه لآت المعازف دون قصد.

الدليل الخامس:قال القاضي أبوبكر بن العربي في كتابه "الأحكام": لم يصح في التحريم شيء، وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة، وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل موضوع. و إذا سقطت أدلة التحريم بقي الغناء على الإباحة الأصلية، فكيف وقد جاءت نصوص ثابتة تفيد حل الغناء. نكتفي منها بما ورد في الصحيحين أن أبا بكر دخل على النبي في بيت عائشة وعندها جاريتان تغنيان فانتهرهما أبو بكر وقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال النبي عليه السلام: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) ولم يرد ما ينهى عن الغناء في غير العيد، وإنما المعنى أن العيد من المواطن التي يستحب فيها إظهار السرور بالغناء وغيره من اللهو البريء.هذا كلام الشيخ القرضاوى فى كتابه الحلال والحرام.

مناقشة الدليل:

القول بأن أحاديث الغناء لم يصح فيها شىء إن قصد كلمات الغناء فنعم، و إن قصد كلمات الغناء مع الموسيقى أو الموسيقى فباطل لورود سيل من الأحاديث يتحريم المعازف باستثناء الدف، وكون ابن حزم أخطأ فضعف حديثا فى البخارى أصح كتاب بعد كتاب الله فليس معنى هذا أن الحديث الذى رواه البخارى ضعيف، والحجج التى استدل بها على تضعيفه حجج واهية رد عليه العلماء من القدامى والمتأخرين كابن تيمية وابن القيم والألبانى، و إليك بعض الأئمة الذين صححوا الحديث على رأسهم أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخارى وابن حبان والإسماعيلى و ابن الصلاح و النووى و ابن تيمية و ابن القيم و ابن كثير و الحافظ ابن حجر و الحافظ العراقى والحافظ السخاوى و الأمير الصنعانى ثم إن حديث البخارى ليس هو الحديث الوحيد فى تحريم الموسيقى فعلم بهذا فساد قول ابن حزم رحمه الله أما حديث الجاريتين فهو دليل لنا لا علينا فقد سمى أبو بكر الغناء مزمور الشيطان، و لم ينكر عليه النبى صلى الله عليه وسلم بل قال إنه استثنى من الحكم لوجود مناسبة،وهى العيد ثم الدف خارج عن محل النزاع،وفى الحديث: «فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف» [1]،وقولهم: وإذا سقطت أدلة التحريم بقي الغناء على الإباحة الأصلية هذا فى شأن الغناء الذى هو الكلمات فحسنها حسن وقبيحها قبيح أما الكلمات المصحوبة بالموسيقى أو الموسيقى فقد وردت أحاديث صحيحة صريحة فى تحريمها.

الدليل السادس:

روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أذن الله عز وجل لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن» [2].

مناقشة الدليل والاستدلال: هذا الحديث ضعيف ففى إسناده ميسرة مولى فضالة، وهو مجهول العين، وفيه كذلك الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، وقد عنعن ومع التسليم جدلاً بصحة الحديث فليس فيه إلا جواز تشبيه المحمود بالمذموم، ولا يلزم من ذلك تساوى المحمود بالمذموم بل يكفى اشتراكهما فى صفة ما فلو قال شخص وجدت للعسل لذة أكثر من لذة الخمر كان الكلام صحيحاً، وإنما وقع التشبيه بالإصغاء فى الحالتين [3].

الدليل السابع:

سماع السلف أبيات الشعر بالألحان.

مناقشة الدليل:

هذا باطل فالثابت عن السلف إنكار ذلك.

الدليل الثامن:

لا فرق بين الصوت الخارج من المزامير والأوتار وصوت الطيور فإذا كان سماع صوت الطيور جائزا فكذلك سماع صوت المزامير والأوتار فصوت المزامير يشبه صوت الطيور.

مناقشة الدليل: جاءت النصوص بتحريم سماع المعازف لا بتحريم سماع أصوات الطيور،ولا قياس مع النص فهذا مخالف لما هو مقرر فى الأصول. وبعد فكل ما استدل به مبيحى سماع الموسيقى إما صحيح خارج عن محل النزاع كضرب النساء والجوارى الدف فى المناسبات، وكاستدلالهم بسماع النبى صلى الله عليه وسلم للشعر، وإما أحاديث ضعيفة كسماع السلف أبيات شعر بألحان والأحاديث الضعيفة لايحتج بها فى الأحكام اتفاقاً،وإما قياس مع النص كاستدلالهم بجواز سماع صوت الطيور على جواز سماع المعازف.

[1]- حديث فى سنن ابن ماجة، وقد صححه الألباني فى صحيح وضعيف سنن ابن ماجة حديث رقم 1538

[2]- سنن ابن ماجة ضعفه الألبانى فى صحيح وضعيف سنن ابن ماجة رقم 1340

[3]- انظر تلبيس إبليس ص 269

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015