4 - وذهب الشافعية إلى أن سؤر جميع الحيوانات من الأنعام، والخيل والبغال والحمير والسباع والهرة والفئران والطيور والحيات وسام أبرص، وسائر الحيوانات المأكولة وغير المأكولة - سؤر هذه الحيوانات طاهر لا كراهة فيه إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما.

فإذا ولغ أحد هذه الحيوانات في طعام جاز أكله بلا كراهة، وإذا شرب من ماء جاز الوضوء به بلا كراهة.

واستدلوا لذلك بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} لأن في تنجيس سؤر هذه الحيوانات حرجا، ويعسر الاحتراز عن بعضها كالهرة ونحوها من سواكن البيوت.

ولما ورد عن كبشة زوجة أبي قتادة رضي الله عنهما أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات.

ولما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: أنتوضأ بما فضلت الحمر؟ قال: وبما أفضلت السباع.

وعن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته، وإن لعابها يسيل بين كتفي.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها، فقال صلى الله عليه وسلم: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور ولقول عمر المتقدم وفيه فإننا نرد على السباع وترد علينا.

أما الكلب والخنزير وما تفرع منهما أو من أحدهما فسؤره نجس، لقوله تعالى في الخنزير: {فإنه رجس} الآية ولقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب وفي رواية فليرقه أي الماء الذي ولغ فيه. والإراقة للماء إضاعة مال، فلو كان الماء طاهرا لما أمر بإراقته إذ قد نهى عن إضاعة المال.

وإن رأى شخص هرة أو نحوها تأكل نجاسة ثم وردت على ماء قليل أي لا يبلغ قلتين فشربت منه ففيه ثلاثة أوجه عند الشافعية:

أصحها: أنه إن غابت ثم رجعت لم ينجس الماء لأنه يجوز أن تكون قد وردت على ماء كثير فطهر فمها ولأنا - في هذه الحالة - قد تيقنا طهارة الماء وشككنا في نجاسة فمها، فلا ينجس الماء المتيقن بالشك.

والثاني: ينجس الماء لأنا تيقنا نجاسة فمها.

والثالث: لا ينجس الماء بحال لأنه لا يمكن الاحتراز منها فعفي عنه، ودليل هذا الوجه حديث: إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات وهذا هو الأحسن عند الغزالي وغيره لعموم الحاجة وعسر الاحتراز فهي كاليهودي وشارب الخمر فإنه لا يكره سؤرهما عند الشافعية.

5 - وذهب الحنابلة إلى تقسيم الحيوان إلى قسمين قسم نجس وقسم طاهر.

ثم قسموا النجس إلى نوعين:

النوع الأول: ما هو نجس رواية واحدة وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، فهذا النوع سؤره وعينه وجميع ما يخرج منه نجس، لقوله تعالى في الخنزير: {فإنه رجس} الآية وقوله صلى الله عليه وسلم في الكلب: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات وفي رواية: ليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب.

فإذا ولغ في ماء أو مائع آخر يجب إراقته، وإذا أكل من طعام فلا يجوز أكله.

النوع الثاني: ما اختلف في نجاسته وهو سائر سباع البهائم وجوارح الطير والحمار الأهلي والبغل، فعن أحمد أن سؤرها نجس إلا السنور وما يماثلها في الخلقة أو دونها فيها، فإذا شربت من ماء قليل ولم يجد غيره تركه وتيمم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع فقال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس فلو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين. ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهلية يوم خيبر: إنها رجس ولأنه حيوان حرم أكله، لا لحرمته مثل الفرس - حيث يحرم أكله عند من يقول بحرمته - ويمكن التحرز منه غالبا فأشبه الكلب؛ ولأن السباع والجوارح الغالب عليها أكل الميتات، والنجاسات فتنجس أفواهها، ولا يتحقق وجود مطهر لها، فينبغي أن يقضى بنجاستها كالكلاب.

وروي عن أحمد أنه قال: في البغل والحمار إذا لم يجد غير سؤرها تيمم معه وهو قول الثوري.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015