قال ابن قدامة: وهذه الرواية تدل على طهارة سؤرهما؛ لأنه لو كان نجسا لم تجز الطهارة به. وروي عن إسماعيل بن سعيد: لا بأس بسؤر السباع لأن عمر قال فيها: ترد علينا ونرد عليها، ثم قال: والصحيح عندي طهارة البغل والحمار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمير والبغال، وتركب في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كانت نجسة لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ ولأنه لا يمكن التحرز منها بالنسبة لمقتنيها فأشبه الهرة، ومن هذا النوع الجلالة التي تأكل النجاسات ففي رواية أن سؤرها نجس، وفي أخرى أنه طاهر.
القسم الثاني: طاهر في نفسه، وسؤره وعرقه طاهران وهو ثلاثة أضرب:
الأول: الآدمي، فهو طاهر وسؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا، رجلا أو امرأة، وإن كانت حائضا أو نفساء أو كان الرجل جنبا لقوله صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا ينجس. ولحديث شرب النبي صلى الله عليه وسلم من سؤر عائشة.
الضرب الثاني: ما يؤكل لحمه، فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به، إلا إن كان جلالا يأكل النجاسات ففي سؤره الروايتان السابقتان. ويكره سؤر الدجاجة المخلاة لأن الظاهر نجاسته.
الضرب الثالث: الهرة وما يماثلها من الخلقة أو دونها كالفأرة وابن عرس ونحو ذلك من حشرات الأرض، فسؤره طاهر يجوز شربه والوضوء به، ولا يكره، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت منه الهرة قبل ذلك قالت: وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة. ولحديث كبشة الذي سبق ذكره.
إلا أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: يغسل الإناء الذي ولغت فيه الهرة مرة أو مرتين، وبه قال ابن المنذر، وقال الحسن وابن سيرين: مرة، وقال طاوس: سبع مرات كالكلب، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كره الوضوء بسؤر الهرة والحمار.
وإذا أكلت الهرة ونحوها نجاسة ثم شربت من ماء يسير بعد أن غابت فالماء طاهر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنها النجاسة، وتوضأ بفضلها مع علمه بأنها تأكل النجاسات. وكذا إن شربت قبل أن تغيب فسؤرها طاهر كذلك في الراجح، لأن الشارع عفا عنها مطلقا لمشقة التحرز.
وقال القاضي وابن عقيل: ينجس الماء؛ لأنه وردت عليه نجاسة متيقنة، وقال المجد ابن تيمية: الأقوى عندي أنها إن ولغت عقيب الأكل فسؤرها نجس، وإن كان بعده بزمن يزول فيه أثر النجاسة بالريق لم ينجس، قال: وكذلك يقوى عندي جعل الريق مطهرا أفواه الأطفال وبهيمة الأنعام، وكل بهيمة أخرى طاهرة، فإذا أكلوا نجاسة وشربوا من ماء يسير أو أكلوا من طعام فسؤرهم طاهر، وقيل: إن غابت الهرة ونحوها بعد أن أكلت النجاسة غيبة يمكن ورودها على ما يطهر فمها فسؤرها طاهر وإلا فنجس.
وقيل: إن كانت الغيبة قدر ما يطهر فمها فطاهر، وإلا فنجس.
6 - وذهب المالكية والأوزاعي إلى أن سؤر البهائم جميعا طاهر ومطهر إذا كان ماء، ولو كانت هذه البهيمة محرمة اللحم أو كانت جلالة، ويدخل في ذلك الكلب والخنزير، وما تولد منها أو من أحدهما لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} فأباح الانتفاع بالأشياء كلها، ولا يباح الانتفاع إلا بالطاهر، وحرمة الأكل لبعض الحيوانات لا تدل على النجاسة، فالآدمي ومثله الذباب والعقرب والزنبور ونحوها طاهر ولا يباح أكلها، إلا أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب مع طهارته تعبدا، ولكن يكره الوضوء بسؤر الكلب والجلالة والدجاجة المخلاة وشارب الخمر، وكذا بقية الحيوانات التي لا تتوقى النجاسة كالهرة، إلا إذا لم يجد ماء آخر يتوضأ به، أو عسر الاحتراز من الحيوانات التي لا تتقي النجاسة، أو كان السؤر طعاما فلا يكره استعمال سؤر ما ذكر حينئذ. ولم يفرق بعضهم بين الماء والطعام وذلك لمشقة الاحتراز، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات.
كما ذهبوا إلى طهارة سؤر الحائض والنفساء والجنب ولو كانوا كفارا.
ـ[هاشم الجزائري]ــــــــ[29 - Oct-2008, مساء 03:02]ـ
شكرا لك ... بارك الله فيك ...