ومن هذا النوع أيضا: سؤر الهرة فهو طاهر ولكنه مكروه لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: السنورسبع. ولقوله صلى الله عليه وسلم يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو آخرهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة.
والمعنى في كراهة سؤر الهرة من وجهين:
أحدهما ما ذكره الطحاوي: وهو أن الهرة نجسة لنجاسة لحمها، وسؤرها نجس مختلط بلعابها المتولد من لحمها النجس، ولكن سقطت نجاسة سؤرها اتفاقا، لعلة الطواف المنصوصة في قوله صلى الله عليه وسلم: إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات. حيث إنها تدخل المضائق وتعلو الغرف فيتعذر صون الأواني منها.
ولما سقط حكم النجاسة من سؤرها لضرورة الطواف بقيت الكراهة؛ لعدم تحاميها النجاسة ولإمكان التحرز عنها في الجملة.
والثاني: ما ذكره الكرخي وهو أن الهرة ليست بنجسة - وإلى هذا ذهب أبو يوسف – لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى عنها النجاسة بقوله: إنها ليست بنجس. ولكن يكره سؤرها لتوهم أخذها الفأرة فصار فمها كيد المستيقظ من نومه. فلو أكلت الفأرة ثم شربت الماء قال أبو حنيفة: إن شربته على الفور تنجس الماء، وإن مكثت ساعة ولحست فمها ثم شربت فلا يتنجس بل يكره.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتنجس الماء بناء على ما ذكراه في سؤر شارب الخمر، وهو أن صب الماء شرط في التطهير عند أبي يوسف ولم يوجد، وإن ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمد.
النوع الثالث: السؤر النجس المتفق على نجاسته في المذهب وهو سؤر الكلب والخنزير وسائر سباع البهائم. أما الخنزير فلأنه نجس العين لقوله تعالى: {فإنه رجس} الآية. ولعابه يتولد من لحمه النجس. وأما الكلب فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء من ولوغه سبع مرات، ولسانه يلاقي الماء أو ما يشربه من المائعات الأخرى دون الإناء فكان أولى بالنجاسة؛ ولأنه يمكن الاحتراز عن سؤرهما وصيانة الأواني عنهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع؟ قال: إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس. ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين.
ولما روي أن عمر رضي الله عنه خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتى وردا حوضا فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبره فإننا نرد على السباع وترد علينا. ولو لم يكن الماء يتنجس بشربها منه لم يكن للسؤال ولا للنهي عن الجواب معنى؛ ولأن هذه الحيوانات غير مأكولة اللحم ويمكن صون الأواني منها، وعند شربها يختلط لعابها بالمشروب ولعابها نجس لتحلبه من لحمها وهو نجس، فكان سؤرها نجسا.
النوع الرابع: المشكوك في طهارة سؤره وهو الحمار الأهلي والبغل فسؤرهما مشكوك في طهارته ونجاسته لتعارض الأدلة، فالأصل في سؤرهما النجاسة؛ لأنه لا يخلو سؤرهما عن لعابهما، ولعابهما متحلب من لحمهما ولحمهما نجس، ولأن عرقه طاهر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار معروريا والحر حر الحجاز، ويصيب العرق ثوبه، وكان يصلي في ذلك الثوب. فإذا كان العرق طاهرا فالسؤر أولى.
وقد تعارضت الآثار في طهارة سؤر الحمار ونجاسته، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: الحمار يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: إنه رجس، وتعارضت الأخبار في أكل لحمه ولبنه كما تعارض تحقق أصل الضرورة فيه؛ لأنه ليس في المخالطة كالهرة فلا يعلو الغرف ولا يدخل المضائق، وليس في المجانبة كالكلب، فوقع الشك في وقوع حكم الأصل، والتوقف في الحكم عند تعارض الأدلة واجب، ولذلك كان مشكوكا فيه فلا ينجس سؤره الأشياء الطاهرة، ولا يطهر به النجس، وعند عدم الماء يتوضأ بسؤره ويتيمم احتياطا، وأيهما قدم جاز؛ لأن المطهر منهما غير متيقن، فلا فائدة في الترتيب.
وقال زفر: يبدأ بالوضوء بسؤر الحمار أو البغل ليصير عادما للماء حقيقة
¥