ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[21 - Oct-2008, مساء 11:33]ـ

يا أخي الفاضل، كلامك هذا كله معروف، وهو لا يعدو أن يكون شبهات يثيرها منكرو الإجماع في كل عصر.

مع أن هذه الشبهات بعينها تنقض كلام أصحابها نقضا لا يدع للعاقل مجالا للشك مطلقا!!

تقول (الحديث ضعفه كثير من أهل العلم)، فهل تعرف كيف ضعفه هؤلاء؟ أو أنك تقول ذلك تقليدا؟

إن كنت تقوله تقليدا، فلتقلد ما أجمعوا عليه.

وإن كنت تعرف كيف ضعفوه، فلا يمكن إثبات ضعفه إلا بالاستناد إلى القواعد الحديثية التي غايتها أن تكون إجماعات.

فإذا كان لا يمكن الوصول إلى ضعفه إلا استنادا إلى الإجماع ثبت المطلوب.

وأما قولك (فليأت بالدليل مثل قال الله) فأقول لك: أتحداك أن تأتيني بدليل واحد على أي حكم شرعي من غير استناد إلى الإجماع تضمنا أو التزاما، ولهذا سألتك عن معنى الدليل عندك، وسألتك أن تأتيني بقضية واحدة مقترنة بدليلها، حتى أثبت لك أنك لا بد أن تحتج بالإجماع فيها.

وبيان ذلك أنك عندما تحتج بآية أو حديث، يلزمك حتى يتم احتجاجك أن تثبت صحة دليلك من ثلاثة أوجه:

- الوجه الأول: أن تثبته من جهة الورود.

- الوجه الثاني: أن تثبته من جهة المعنى.

- الوجه الثالث: أن تجيب عما يعارضه من الأدلة.

والوجه الأولى يرجع إلى علوم الحديث، والوجه الثاني يرجع إلى علوم اللغة، والوجه الثالث يرجع إلى علوم الأصول.

وجميع هذه العلوم ما هي إلا قواعد وضعها أهل العلم استنادا إلى استقراء الشريعة، فهذه القواعد قصارى أمرها أن تكون إجماعا؛ ولا يمكنك مطلقا أن تحتج بدليل من غير أن تثبت هذه الأمور الثلاثة، وهذه الأمور الثلاثة محتاجة في ثبوتها إلى هذه القواعد، وهذه القواعد محتاجة إلى الإجماع، فثبت بما لا يدع مجالا للشك أنك لا يمكن أن تحتج بأي دليل إلا بالتسليم بحجية الإجماع، وإلا كان دليلك مخروما.

سأعطيك مثالا للتوضيح:

لو أردت مثلا أن تقول: الصلاة فرض، والدليل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة}، فيلزمك حتى يصح هذا الدليل عدة أمور:

الأول: أن تثبت أن هذا الكلام قرآن، وهذا يقتضي منك التدليل على تواتر القرآن، وإجماع الأمة عليه.

الثاني: أن تثبت أن (أقيموا) فعل أمر، وهذا أمر راجع لاستقراء النحويين لكلام العرب، وإجماعهم على ذلك.

الثالث: أن تثبت أن فعل الأمر يقتضي الوجوب، وهذا أمر راجع لاستقراء الأصوليين للشريعة، وإجماعهم على ذلك.

فلو قال لك قائل مثلا: (أقيموا) فعل ماض وليس فعل أمر، فلن تستطيع مطلقا أن ترد قوله إلا استنادا إلى الإجماع.

ولو قال لك مثلا: (الصلاة في الآية معناها الدعاء وليس العبادة المخصوصة)، فلن تستطيع بتاتا أن ترد قوله إلا استنادا إلى الإجماع.

ولو قال لك مثلا: (الأمر هنا للتهديد!!) فلن تقدر أن ترد قوله إلا بالإجماع.

ولعلك تقول في خاطرك: (هذا الذي تقوله بعيد جدا، ولا يرد في عقل أحد عندما يستدل بهذه الأدلة).

فالجواب: أن هذا قد يكون صحيحا، ولكنه لا يعني أكثر من كون هذه الأمور بديهية واضحة لا يتوقف عندها الذهن أصلا، وإنما ينطلق إلى ما وراءها مباشرة، وذلك كما تسمع أنت الكلام من الناس وتفهمه مباشرة، من غير أن تفكر في ترتيب الحروف، ومواضع النحو وغير ذلك، لأن هذه الأمور صارت بديهية عندك، بخلاف الطفل الصغير عندما يسمعها.

فإن كنت في شك مما أقول لك بعد هذا البيان الشافي، فلتجب عن هذا السؤال فقط:

(هات مسألة شرعية واحدة فقط مقرونة بدليلها من غير أن تحتج بالإجماع فيها مطلقا لا تصريحا ولا تضمنا ولا التزاما).

فإن استطعت فبها ونعمت، وإن لم تستطع، فلا معنى بعد ذلك للمكابرة.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[21 - Oct-2008, مساء 11:39]ـ

وأما قولك (فليقل لم وكيف ومحال ان يجتمع العلماء في هذا الوقت وكثير منهم لايعرفه حتى اهل بيته)

فهذه الحجة وأمثالها أوهى من بيت العنكبوت عند التحقيق، ولا يمكن أن يثبت عليها قائلها عند المحاقة! ولو صحت لانسحبت على إجماعات العصور السابقة أيضا، فلا اختصاص لهذا العصر بذلك، والذين قالوا إن الصحابة يمكن اجتماعهم دون غيرهم أتحداهم أن يأتوني بلحظة واحدة اجتمع فيها جميع الصحابة.

ولبيان وهائها نقول:

مراتب الحجاج في الإجماع أربع:

- الأولى: أن يكون المنكر منكرا لحجية الإجماع من أساسه، أي أنه يقول: حتى لو أجمعت الأمة فليس هذا بحجة.

والنقاش مع هذا الإنسان يكون بإيراد النصوص التي تفيد عصمة الأمة، وأنها لا تجتمع على باطل.

- الثانية: أن يكون المنكر يعتقد أن الأمة لا تجتمع على باطل، ولكنه يقول: يستحيل أن نعرف هذا الاجتماع.

والنقاش مع هذا الإنسان يكون ببيان أن الشريعة بينت لنا أن الإجماع حجة يجب اتباعها، ولا يمكن في عقل عاقل أن تعلق الشريعة الحجية على أمر مستحيل.

- الثالثة: أن يكون المنكر يعتقد أن الأمة لا تجتمع على باطل، ولكنه يقول: ربما يكون هناك قائل قال قولا ولم يصلنا.

والنقاش مع هذا الإنسان يكون ببيان أن هذا الفرض حاصله أن الأمة اجتمعت على باطل؛ لأننا أمام احتمالين:

إما أن يكون هذا القول الذي لم يصلنا باطلا، وحينئذ فلا فائدة في نقله؛ لأن الحق في الأقوال التي بين أيدينا.

وإما أن يكون هذا القول الذي لم يصلنا حقا، وحينئذ تكون الأمة اجتمعت على كتمان الحق ونقل الباطل، وهذا محال.

- الرابعة: أن يكون المنكر يوافق على كل ما مضى، ولكنه يناقش في حجية إجماع بعينه لأنه لم يثبت عنده.

وهذه أسهل المراتب، والخلاف فيها بين أهل العلم واسع.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015