ثم من الذي بنى إسلامه على خيال؟؟ .. هل من حقق التوحيد وعرف الله وعبده حق عبادته، ثم تخبّط في شروط وموانع التكفير، فزاد في الشروط أو الموانع، ظناً منه أن الدليل يثبتها، فلم يحكم على المشرك بالكفر، لا لشركه ولا لباطله، ولكن لما استصحبه من مظاهر الإسلام ..

كيف يكون هذا قد بنى إسلامه على خيال؟؟

أقول: إذا وُجدت الشبهة لديهم فلا معنى للكلام عن النصوص المثبتة لإسلام الصحابة ما دامت مشتبهة عليهم، كشبهة عدم الثبوت أو عدم الدلالة، ونحن نتفق أن من علم من الخوارج أن عليا من أهل الجنة وكفّره فهو كافر مارق من دين الإسلام كسائر المكذبين، أما من ظن أنه معرّض للردة كسائر المسلمين فلا يكفر، ولم نر أن عليا أقام عليهم الحجة بأنه من أهل الجنة حتى يكفّرهم.

وإذا وجدت الشبهة عند بعض المسلمين، فلم يُخرجوا الواقع في الشرك ممن ينتسب إلى الإسلام من الإسلام؟ .. لماذا تعذر الخوارج ولا تعذر هؤلاء المسلمين؟

أقول: من جهل أن الشرك يخرج من الإسلام فهذا ليس بمسلم أصلا ولم يحقق أصل الدين ولا حاجة للكلام عن تكفيره للمشرك أم لا، ولا يشترط لتكفيره القول بأن المسلم كافر بسبب توحيده، فالناس اليوم لا يكفرون فاعل الشرك منهم لعدم اعتقادهم بأنه شرك، فمنهم من يقول هو شرك أصغر أو مباح، ولا يشترط أن يقول أن الكفر توحيد والتوحيد كفر والمشرك هو المسلم ليكون كافرا، ولذلك يقولون: (أصل دينهم الإسلام وإنما تلبسوا ببعض مظاهر الشرك)، وهي معادلة غير منطقية البتة، مثل: (المسلم الكافر).

أولاً: هؤلاء لم يجهلوا أن الشرك مخرج من الإسلام .. بل هم مقرون بذلك، وإنما وقع خلافهم في شروط وموانع التكفير.

وثانياً: ما الحد الأدنى من المعرفة المتعلقة بالشرك حتى يثبت للمسلم وصف الإسلام؟؟ .. هل يجب عليه أن يعلم أن الفعل كذا وكذا يعتبر شركاً أكبر مخرجاً من الدين؟؟ .. أم أن عليه فقط أن يعلم أنه باطل وحرام ولا يرضاه الله؟؟

إن قلت بالأول .. فعليك الدليل .. أما أن تأتيني بالقياسات والافتراضات والمنطقيات والعقليات، فهذا من أعظم الشر الذي وقع فيه المبتدعة، فكفّروا المسلمين بأدلة ظنوها من أصول الدين ..

بل إن هذا القول هو حجة عليك .. فيلزمك أن من أدخل في معنى الشرك بعض المعاصي، أو بعض أفعال التوحيد (كالقول بإثبات الصفات ونفي خلق القرآن) .. فهو كافر .. لأنه لم يعلم معنى الشرك .. ولم يعلم أن هذه الأمور لا تخرج من الدين ..

وشبهات وتصورات وقصور مثل هذا هو كفر بذاته لا يقوله مسلم، ولذلك لم يحدث يوم كان الناس يدركون معنى الإسلام، وهذا لا فرق فيه بين القول بإسلام أي فرد أو إسلام جماعة أو أمة من الناس، فالخوارج كفّروا جميع المسلمين بما لا يوجب الكفر ولم يكفروا.

أما شبهات الخوارج والمرجئة وتصوراتهم الباطلة، فهي ليست بكفر البتة .. عجباً لكم!!!

تقول ((فالخوارج كفّروا جميع المسلمين بما لا يوجب الكفر ولم يكفروا)) ..

وهؤلاء أبقوا وصف الإسلام على المنتسب إليه بما لا يوجب الإيمان، فلماذا كفروا؟

مع أن القياس الصحيح على الخوارج هو أن نقيس أسلمة اليهود والنصارى على تكفير المسلمين ..

لكن على أية حال .. حتى يكون هذا الكلام خاتماً للموضوع .. أقول:

حال هؤلاء المسلمين الذين أثبتوا حكم الإسلام على الواقع في الشرك الأكبر هو:

- أنهم حققوا أصل المعرفة بالتوحيد .. فعرفوا أن الله حق، وعبادته حق .. فعبدوه. وعرفوا أن الطاغوت باطل، وعبادته باطلة، فاجتنبوه.

- أنهم لم يروا الشرك توحيداً .. ولم يستحسنوه أو يقروه .. بل عرفوا أنه باطل وإثم، فلم يُبقوا وصف الإسلام على الواقع فيه لأنهم يرونه محقاً .. بل يرونه مبطلاً .. ولكنهم تخبطوا في شروط التكفير وموانعه .. لشبهات وتصورات وتخيلات رفعت حكم الكفر عن صاحبه.

- أنهم اختلطت عليهم هذه المسائل ببعضها .. فلم يفرّقوا بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، مع إقرارهم أن هذا الفعل لا يُصرف إلا لله .. واختلطت عليهم موانع التكفير، فظنوا أن الجهل مانع في الشرك الأكبر كما هو مانع في الكفر الأكبر .. واختلطت عليهم التصورات .. فظنوا أن من حقق أصل الدين في قلبه من توحيد الله تعالى، ونفي الإله عمّن سواه، ولكن خالف في الفعل الظاهر التعبّدي (الذي لا يثبت إلا بالدليل الشرعي) .. فهذا لا يكفر حتى يُبيّن له أن فعله هذا عبادة (ذكرت الشيء الكثير من ذلك في موضوع تصورات العلماء العاذرين للواقعين في الشرك الأكبر من المنتسبين للإسلام).

- أنهم اختلفوا في الذين يصحّ الخلاف فيهم .. وهم: المنتسبون إلى دين الإسلام .. حيث إن هؤلاء يُعمل فيهم بشروط التكفير وموانعه، ولم يختلفوا في المنتسب صراحة إلى غير دين الإسلام، ممن لا يُعمل فيه بأيّ من شروط التكفير وموانعه .. فصار الخلاف بيننا وبينهم محصوراً في شروط التكفير وموانعه، والتي لا يجادلنا المخالف في كون العلم بها ليس من أصل الدين ..

- أنهم لم يختلفوا في أصل القاعدة الشرعية التي تفيد: أن من عبد غير الله فهو مشرك .. بل هم يكفّرون العابد لغير الله بالعموم .. ولكن الخلاف معهم في تنزيل الأحكام الشرعية، أي: الحكم القضائي.

- أن ضلالتهم أقل بكثير من ضلالة الخوارج .. فحيث إن الخوارج أخرجوا المنتسب إلى الإسلام من الدين بشبهة (أي أخرجوه من الأصل) .. فهؤلاء أبقوا الأصل في المنتسب إلى الإسلام (وهو الإسلام) لشبهة .. فكانت ضلالة الخوارج أعظم ضلالة من هؤلاء (إن صح وصفنا لها بالضلالة).

وأخيراً ..

من أراد تكفير هذا الصنف من المسلمين .. فعليه دليل قطعي صريح مجمع عليه .. وليس قياسات وافتراضات وتخمينات ما أنزل الله بها من سلطان ..

فإن تكفير المسلم أمر عظيم في الدين .. وعقابه شديد عند رب العالمين ..

وللعلم، فإن الأحاديث الشرعية لم تتطرق إلى مسألة تكفير المشرك كما تطرقت إلى تكفير المسلم ..

ففي حين علمنا أن تكفير المسلم كفر .. لتواتر الأدلة الشرعية الصريحة على ذلك .. ما علمنا أن أسلمة المشرك كفر إلا بالاستنباط الشرعي، إذ لا دليل صريح عليه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015