وهذا الصنف الأخير هو الذي يقاس عليه القول بإسلام المشركين الذي يعتقده الأغلبية من الناس اليوم علماء وعوام، لكن من أين جاءهم هذا الإعتقاد؟ لقد جاء هذا من الجهل بالإسلام نفسه وعدم تحقيقه أصلا، وإلا لعلموا أن من لم يحقق أصل الدين فهو كافر، جاهلا أو عالما، فهم يعتقدون أن أصل الدين الذي يثبت به عقد الإسلام يتحقق بالتلفظ بالشهادتين والإعتقاد بوجود الله عز وجل والتصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار إجمالا بالدين على الغيب دون علم بأصل الدين، وهذا كفر بذاته.

هذا من التناقض العجيب ..

ففي الأولى تقول: إن من كفّر المسلم لتوحيده .. فهذا هو الكافر ..

وفي الثانية تقول: إن من أسلم المشركين لغير شركهم، فهؤلاء كفار!!!

فهلا عدلت وأنصفت في القياس؟؟ .. لماذا لا تقول: من أسلم الكافر لكفره، فهذا هو الكافر؟؟

كمن يقول: أنا أحكم على تارك الصلاة بالإسلام لأنني أرى ترك الصلاة إسلاماً .. أو يقول: أحكم على سابّ الله ورسوله بالإسلام لأنني أرى السبّ إسلاماً ..

فهل هؤلاء المسلمون الذين اشتبه عليهم بعض أحكام التكفير أو جهلوها، فأبقوا حكم الإسلام على من وقع في الشرك الأكبر .. لا لشركه، ولا استحساناً لفعله، ولكن لشبهات عرضت لهم .. يكفرون بهذا المعتقد؟؟

إن قلت لي نعم .. لأنهم جهلوا معنى التوحيد، كما تقول .. فأقول لك .. قل نفس الأمر في الخوارج .. أنهم جهلوا معنى الشرك ..

فإن كانت تصوّرات هؤلاء الجهلة وشبهاتهم جعلتهم يثبتون حكم الإسلام في المنتسب إليه .. مع كونهم لم يحكموا بإسلامه لشركه أو كفره .. بل هم يعتقدون - بلا شك - أن ما يفعله من شرك باطل وحرام .. بل وكفر .. ولكن قامت في عقولهم شبهات ظنوها أعذاراً شرعية .. فأبقوا وصف الإسلام على المنتسب إليه .. فقلت فيهم: جهلوا معنى التوحيد (مع أن هذا غير صحيح بما سبين لاحقاً إن شاء الله) ..

فعليه .. قل الشيء نفسه في الخوارج (الذين هم أعظم إثماً من هؤلاء).

فإن تصوراتهم وشبهاتهم جعلتهم ينفون حكم الإسلام في المنتسب إليه .. مع كونهم لم يحكموا بكفره لإسلامه أو إيمانه .. بل هم يعتقدون - بلا شك - أن ما يفعله من توحيد حق وحلال .. بل وإيمان .. ولكن قامت في عقولهم شبهات ظنوها من محققات الكفر .. فنفوا حكم الإسلام عن المنتسب إليه .. فلماذا لا تقول فيهم: هؤلاء ما عرفوا معنى الكفر والشرك؟؟

أليس معنى التوحيد: أن تعرف الله تعالى وتعبده .. ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تعرف الطاغوت وتكفر به؟

بل خذ مثالاً أوضح من ذلك كله ..

غلاة المرجئة من الجهمية والأشاعرة والكرامية .. يقولون: إن الكفر الظاهر لا ينقض الكفر الباطن!! فمن سب الله تعالى ورسوله، نحكم عليه بالكفر ظاهراً، مع جواز أن يكون في باطنه مؤمناً موحداً لله ..

هؤلاء، لم يكفّر العلماء جهلتهم، ولم يقولوا: إنهم نقضوا أصل الدين لأنهم لم يعلموا أن الكفر ينقض حقيقة التوحيد!!! .. هل لك أن تبيّن لنا لماذا؟ .. أم أنك لا تعتبر بأقوال العلماء، وما تعتبره فقط هو قياساتك وافتراضاتك وتصوراتك؟

لماذا لا تقول في هؤلاء إنهم لم يعلموا معنى التوحيد؟

ثم يُقال لك بعد هذا كله .. ما هو حدّ العلم الشرعي الذي لا يصح إسلام امرئ إلا به؟

ما دلّت عليه النصوص الشرعية هو أن يعلم المرء أن الله هو الإله الأوحد، فيعبده .. ويعلم أن الطاغوت ليس حقيقاً بالألوهية، فيجتنب عبادته.

هذا هو أدنى العلم الشرعي الذي يحقق أصل دين الإسلام ..

ومن زاد على ذلك، فعليه الدليل .. ودعنا من الافتراضات والقياسات والتخمنيات التي لم تجلب لنا سوى الوبال.

ومن حكم بالإسلام على الكافر لكفره .. فهذا لا شكّ في كفره، لأنه جعل الشرك (عبادة الطاغوت) إسلاماً، فلم يجتنب الطاغوت بذلك.

أقول: إن سمى الناطق بالشهادتين والملتزم ببعض الفرائض مسلما مع علمه بما أحدثه من الشرك أو مع علمه بأنه من قوم يشركون بالله ويصلون ويقولون: لا إله إلا الله، فقد بنى إسلامه على خيال، وهو كفر، وهي مسألة أخرى، ليست كحال الناس الذين يدافع عنهم المخالف، والذين لا يكفّرون الكافر لجهلهم بالإسلام.

مسألتنا المطروحة هي في تكفير من لم يكفّر المنتسب إلى الإسلام الواقع في بعض مظاهر الشرك الأكبر.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015