ـ[البيان الإسلامي]ــــــــ[07 - Nov-2008, صباحاً 12:33]ـ

قال: فالعلماء يفرقون بين الحكم الشرعي العام وبين تنزيل الأحكام (أي الحكم القضائي)، فمن خالف في الأول متعمّدا فهو كافر، ومن خالف في الثاني متعمّدا فهو فاسق.

أقول: التفريق هنا تفريق بين النظرية والتطبيق، وهو بلا معنى ما دام ليس هناك إسلام نظري وإسلام تطبيقي، وإن كان هناك فرق فيجب التفريق بين من يقال أن لديه الأصل بأن عبادة غير الله كفر ثم إذا وصل إلى تنزيل الأحكام على الواقع لم يعتبر دعاء هذا القبر كفرا، ولا يصح القول أن هذا فاسق، كما لا يصح القول أن من لم يكفر الكافر المعين في الواقع فاسق، وإن: قيل قد تكون له موانع، نقول: كذلك من لم يعتبر الشرك كفرا قد تكون له موانع.

نقل عن آل فراج قوله: (التعقيب يرد أيضا على من كفّر من حكم بالإسلام على المشركين بحجة أنه سمى الشرك إسلاما، فهو إنما سمى نطق المشرك بالشهادتين والتزامه ببعض الفرائض إسلاما دون ما أحدثه من الشرك ولكن لو سمى شركه إسلاما كفر بلا ريب كما لو سمى التوحيد كفرا).

أقول: إن سمى الناطق بالشهادتين والملتزم ببعض الفرائض مسلما مع علمه بما أحدثه من الشرك أو مع علمه بأنه من قوم يشركون بالله ويصلون ويقولون: لا إله إلا الله، فقد بنى إسلامه على خيال، وهو كفر، وهي مسألة أخرى، ليست كحال الناس الذين يدافع عنهم المخالف، والذين لا يكفّرون الكافر لجهلهم بالإسلام.

قال: الخوارج أخرجوا من الإسلام بشبهة من دخل في الإسلام دخولا صحيحا ونزل فيه النص بأنه من أهل الجنة ولم نر أحدا من الصحابة حكم بكفرهم، ولم يقل أحد من العلماء أنهم نقضوا أصل الدين في نفس الأمر.

أقول: إذا وُجدت الشبهة لديهم فلا معنى للكلام عن النصوص المثبتة لإسلام الصحابة ما دامت مشتبهة عليهم، كشبهة عدم الثبوت أو عدم الدلالة، ونحن نتفق أن من علم من الخوارج أن عليا من أهل الجنة وكفّره فهو كافر مارق من دين الإسلام كسائر المكذبين، أما من ظن أنه معرّض للردة كسائر المسلمين فلا يكفر، ولم نر أن عليا أقام عليهم الحجة بأنه من أهل الجنة حتى يكفّرهم.

قال: مع التشديد على مسألة هامة وهي أن تكفير المنتسب إلى الإسلام أعظم عند الله من إبقاء حكم الإسلام على كافر منتسب إليه، ولذلك ورد الزجر عنه والتغليظ في تكفير المسلمين، ولم يرد حديث واحد مثل هذه الأحاديث في الإمتناع عن تكفير الكافرين وإنما كان هذا الحكم استنباطا شرعيا.

أقول: الإعتقاد في إسلام الناس أو كفرهم ليس استنباطا شرعيا من الكتاب والسنة، ولو كان كذلك لعلمه طالب العلم فقط، وإنما هو من البديهيات التي يحتمها تحقيق أصل الدين، وليس هناك تناقض بين القول أن هذه المسألة من أصل الدين والقول أن الخطأ في تكفير المسلم لا يكفر صاحبه، لكنه هنا يتكلم عن أمور خارجة عن موضوع أصل الدين، ولذلك يحتج بفعل الخوارج لما كفّروا المسلمين فلم يخرجوا من الإسلام.

قال: فالخوارج كفروا المقطوع بإسلامه وإيمانه بشبهة ظنوا بها أنهم نقضوا أصل دينهم وكفروا بالله، وأصحابنا هؤلاء أعذر من الخوارج بكثير، إذ أنهم تورعوا عن تكفير من أصل دينه الإسلام ولكنه متلبس ببعض مظاهر الشرك، وما منعهم شبهات وتصورات لها أدلتها من القرآن والسنة، ولا يعنون بإعذاره أن من عبد غير الله فهو مسلم.

أقول: من جهل أن الشرك يخرج من الإسلام فهذا ليس بمسلم أصلا ولم يحقق أصل الدين ولا حاجة للكلام عن تكفيره للمشرك أم لا، ولا يشترط لتكفيره القول بأن المسلم كافر بسبب توحيده، فالناس اليوم لا يكفرون فاعل الشرك منهم لعدم اعتقادهم بأنه شرك، فمنهم من يقول هو شرك أصغر أو مباح، ولا يشترط أن يقول أن الكفر توحيد والتوحيد كفر والمشرك هو المسلم ليكون كافرا، ولذلك يقولون: (أصل دينهم الإسلام وإنما تلبسوا ببعض مظاهر الشرك)، وهي معادلة غير منطقية البتة، مثل: (المسلم الكافر).

وشبهات وتصورات وقصور مثل هذا هو كفر بذاته لا يقوله مسلم، ولذلك لم يحدث يوم كان الناس يدركون معنى الإسلام، وهذا لا فرق فيه بين القول بإسلام أي فرد أو إسلام جماعة أو أمة من الناس، فالخوارج كفّروا جميع المسلمين بما لا يوجب الكفر ولم يكفروا.

ولا يقال أن الإعتقاد النظري بأن من عبد غير الله مسلم يكفي لتحقيق أصل الدين أو أنه حد أدنى لتحقيق الإسلام، دون تطبيق ذلك ومعرفة معنى الكفر المطلوب تركه والتوحيد المطلوب اتباعه، وقد يكون في خلده معنى آخر للتوحيد والكفر كما هو عند النصارى واليهود وعبّاد القبور والمتبعين لشرائع الطاغوت، وبالتالي فالقول بأنهم يملكون ما سمي هنا بالأصل (وهو أن من عبد غير الله فهو كافر ومن عبد الله وحده فهو مؤمن) يجعل منهم جميعا مسلمين وإن أشركوا، لأن لديهم شبهات وتصورات وتأويلات حتى من الكتاب والسنة، فالتأويلات الواردة في معنى الكفر مثل التأويلات الواردة في معنى الكافر، وكلها تأويلات في تنزيل الأحكام على الواقع.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015