ـ[البيان الإسلامي]ــــــــ[07 - Nov-2008, صباحاً 12:29]ـ

قال: فإن كانت المسألة من أصل الدين كما يقول بعض الغلاة، فكفروا بما يقابلها كل من أخطأ في تكفير المشرك، فلماذا لا يكفّرون عندهم من أخطأ في تكفير الموحد؟ لماذا جعل العلماء بدعة الذين كفّروا المسلمين غير ناقضة لأصل الدين في نفسها؟

أقول:

1ـ نتفق في أن من نظر في بعض النصوص فأدّاه ذلك إلى أن يخطىء فيكفّر المسلم أنه لا يكفر، ويعذر بموانع التكفير من جهل وتأويل وخطأ، ولا نقول أنه نقض أصل دينه، لأنه ظن بعض الأمور من أصل الدين كالصلاة مثلا، فظن أن تركها كفر مخرج من الملة لا كفر أصغر، وكذلك من تأول في الإدمان على الخمر أو قتال المسلمين أو رفع السلاح عليهم أو غشهم أو غير ذلك على أنها مخرجة من الملة لظاهر بعض الأحاديث، هذا فيمن يكفّر بالمعصية.

2ـ وأما من يكفّر بالطاعة ظنا بأنها كفر أكبر كتكفير الخوارج لعلي ومعاوية وأصحابهما لتحكيمهم الرجال مع أن الحَكَمين طُلِب منهما الحكم في إطار شرع الله لا الخروج عنه، وظن الخوارج أن هذا مخالف لقول الله تعالى: (إنِ الحكمُ إلا لله)، وكتكفير المعتزلة وغيرهم لأهل السنة في قولهم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فظنوا أن هذا كفر، حتى أن أحد الخلفاء المعتزلة كان يفادي الأسرى عند الروم باستثناء من يقول أن القرآن كلام الله، فظنهم كفارا، هذا وأمثاله لم ينقض أصل الدين، فلو أن الله شاء أن يخلق القرآن لخلقه وجعل له أجلا، لكن لا ينسب إلى الله ما لم يفعله، فهذا قد نسب إلى الله ما لم يفعله جهلا، وأضاف إلى أصل الدين ما ليس منه وما ليس من الدين تأويلا لبعض النصوص، لكنه لم يُدخل الكفر في أصل الدين، فلم يُدخل فيه ما يناقضه ولم يهدمه حتى يقال أنه كفر.

ففي هذين الصنفين المسألة غير متعلقة بأصل الدين.

كما يكون تكفير المسلم كفرا مخرجا من الملة، ويتضمّن الصنفين الأوّلين اللذين سبق ذكرهما في حالة ما إذا قامت الحجة على صاحبه، فيصبح الأمر تكذيبا للنصوص، فيكفر بذلك التكذيب ثم يكفر لتكفيره المسلمين بشيء قامت الحجة عليه بأنه ليس كفرا، وهذا كذب وافتراء على الله، إذا انتفت الشبهات التي يتعلق بها، وهذا نادر جدا لأن أصحابه يكونون عادة من أهل الإخلاص والغيرة على الدين ولكن يُؤتوْن من سوء الفهم.

3ـ أما من يكفّر المسلم لتوحيده وما هو مقر بأنه من الإسلام، كتكفير النصارى المسلمين لعدم إيمانهم بالتثليث وتكفير أهل وحدة الوجود للمسلمين بسبب تفريقهم بين الخالق والمخلوق، فهذا التكفير كفر مخرج من الملة، حتى وإن تأولوا وجهلوا، وهذا لم يأتوه حتى كفروا باعتقاداتهم الكفرية ذاتها، لا بسبب تكفير المسلمين فقط.

والصنف الأخير معنى قوله صريح بأن الإسلام كفر، أما الصنفان الأوّلان فبعيدان كل البعد عن هذا.

وهذا الصنف الأخير هو الذي يقاس عليه القول بإسلام المشركين الذي يعتقده الأغلبية من الناس اليوم علماء وعوام، لكن من أين جاءهم هذا الإعتقاد؟ لقد جاء هذا من الجهل بالإسلام نفسه وعدم تحقيقه أصلا، وإلا لعلموا أن من لم يحقق أصل الدين فهو كافر، جاهلا أو عالما، فهم يعتقدون أن أصل الدين الذي يثبت به عقد الإسلام يتحقق بالتلفظ بالشهادتين والإعتقاد بوجود الله عز وجل والتصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار إجمالا بالدين على الغيب دون علم بأصل الدين، وهذا كفر بذاته.

والخطأ عندما نأمر هذا بتكفير الكافر، أو نطبق عليه قاعدة من لم يكفّر الكافر فهو كافر، فهذه القاعدة تطبق على المسلم أصلا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكفّر أبا جهل أو غيره ثم طبق هذه القاعدة على سائر الكفّار، فالكلام عن فلان الذي يعتبر حركة حماس مسلمة بعيد عن الموضوعية، فهو يقول بإسلام الأمة بكاملها لقولها: لا إله إلا الله، ويعذر الناس بجهلهم أصل الدين، ولو حقق أصل الدين لما بقي له أي إشكال، ولعَلِم أن حماس ليست سوى جزءا من أمة، وهذه الأمة جزء من عالم يجهل دين الإسلام، كما كان عليه الحال زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إذا أردنا تحقيق قواعد الإسلام العلمية كما هي، أما البناء على الواقع فصاحبه يفعل ما يشاء.

إن الإختلافات التي وقعت بين السلف في العقائد لا تعنينا اليوم، كخلافاتهم في تكفير المسلمين تأويلا أو عصيانا أو شحناء لأنهم لم ينقضوا أصل الدين، ويوم نتفق على معنى لا إله إلا الله ولوازمها كما اتفق عليها أهل السنة والخوارج والمعتزلة وغيرهم عندها يمكننا أن نختلف فيما اختلفوا فيه، وأن نعطي أمثلة من واقعهم ونسقطها على واقعنا، أما والحال كما نرى فإن الأمر بصراحة هو أشبه بإسقاط تلك الأمثلة على اختلافات البروتستانت والكاثوليك.

وبهذا فإن قول من قال: (الخطأ في تكفير ألف موحد لا يخرج من الإسلام) كلام صحيح، إذا كان في مثل حال الصنفين الأوّلين، وهذان الصنفان هما اللذان يحتج بهما المخالف، فالأمر هنا لا علاقة له بأصل الدين، ولذلك فلا معنى لقوله: لو كان من أصل الدين لما اختلف فيه العلماء، فهو هنا يستدل بالعام على الخاص.

وإن كان المقصود الصنف الثالث أو التكذيب بعد الحجة فهذا القول كفر بذاته.

وقول من قال: (الخطأ في تكفير مشرك واحد يخرج من الإسلام) صحيح أيضا، إذا كان هذا الخطأ (أي القول بإسلام المشرك) ترتب عن جهل بحقيقة أصل الدين كما هو واقع، وهو الحال التي يسقط عليها المخالف استدلالاته، لا عن جهل الحال مثلا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015