فلقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره [فإنه لايلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل مالم يذكر إسم الله عليه لأنهم يذكرون إسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك] ا. هـ
* فتعلق قوم بهذا الإجتهاد وقاموا عليه في إباحة ذبائح المشركين إذا سموا على ذبائحهم!!.
يقول علماء الأصول: [من المتفق عليه أن الباعث على تشريع الأحكام هو تحقيق مصالح العباد بجلب مصلحة أو دفع مضرة وهو حكمة الحكم وكان المتوقع ربط الحكم بالحكمة لأنها الغاية منه، ولكن الحكمة كثيراً ماتكون خفية أو غير منضبطة (1).
ـــــــــــــــــــ
(1) مثل حكمة ذبائح أهل الكتاب - فالحكم هو الحل، والحكمة أمر خفي لم ينص عليه الله سبحانه وتعالى في الأيات.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ.
.. فمثلاً شرع الله تعالى القصر في الصلاة الرباعية أثناء السفر لدفع المشقة .. فالحكم هو القصر والحكمة هى دفع المشقة، ولكن هذه المشقة أمر خفي غير منضبط فلا يصح (1) ربط الحكم به ولكن السفر وصف منضبط فيعلل به الحكم.
* ومعنى هذا أن الحكم الشرعي يوجد حيث توجد علته ولو تخلفت حكمته وينتفي الحكم حيث تنتفي علته ولو وجدت حكمته، لأن الحكمة لخفائها في بعض الأحكام ولعدم إنضباطها في بعضها يتعذر أن تكون أمارة على وجود الحكم أو عدمه ..
وكذلك كون أهل الكتاب أبيحت ذبائحهم لإنهم يسمون .. يقابله إجتهاد آخر كما نقل عن الإمام الطبري في تفسيره [وذبائح أهل الكتاب ذكية سموا عليها أو لم يسموا لأنهم أهل توحيد]. ا. هـ
فذكر لأنهم أهل توحيد ولم يعتبر التسمية في حكمة الحل
ونقل الإمام النووى الإجماع على من أكل متروك التسمية ليس بفاسق
ويؤيد قولهم هذا أن كثيراً من العلماء والصحابة ذكروا أن أهل الكتاب يوجد منهم من يذكر إسم غيرالله على ذبائحهم كالمسيح - والزهرة - ونرجس
بل أن قول عطاء ومجاهد ومكحول مشهور في أن النصرانى إذا ذبح بإسم المسيح حل .. فإن الله تعالى أحل لنا ذبيحته وقد علم أنه سيقول ذلك.
ونقل الإمام النووى أنهم لايسمون قال: [ولقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وهم لايسمون .. ] ا. هـ.
صحيح مسلم شرح النووى ج 13 - ص 73 -
ونقل الإمام ابن حجر في فتح البارى: [ومما يستدل به على عدم إشتراط التسمية قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) الأية فأباح الأكل من ذبائحهم مع وجود الشك في أنهم سموا أو لا ... ] ا. هـ.
** فمن الطرق الصحيحة للإستدلال التي ينبغى أن تتبع هو الجمع بين أطرف الأدلة ..
نلخص من هذا: أن الحكمة التي إجتهد الإمام ابن كثير في إستنباطها إتضح أن هناك علماء أخرين إستنبطوا غيرها، وثبت أن أهل الكتاب يسمون غير الله على ذبائحهم أحياناً .. والحكمة تختلف عن العلة ..
فيحمل بذلك كلام الإمام ابن كثير على أن غالب أهل زمانه أو مكانه من أهل الكتاب يسمون على ذبائحهم فاجتهد بأن الحكمة في حل ذبائحهم لهذا .. والله أعلم
ـــــــــــــــــــــ
(1) ولهذا لايصح ربط حكم حل ذبائح أهل الكتاب بالحكمة المتوقعة من ذلك ولو أجتهد بعض العلماء في إستنباطها أو توقعها .. فتأمله.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
ولكن من الخطاء الواضح إستنباط البعض حكم الإباحة في ذبائح المشركين غير أهل الكتاب من إجتهاد العالم في حكمة أو علة غير منصوص عليها في الأية الخاصة بحل الذبائح لإهل الكتاب.
وهذه الحكمة غير منضبطة بنفسها كما ذكرنا من إجتهاد علماء أخرين في غيرها .. فمن غير الصواب القياس عليها وجعلها مؤثرة في حكم حل أو حرمة غيرهم من أهل الملل الكافرة. والله أعلم.
ـ[المغيرة]ــــــــ[18 - Oct-2008, مساء 10:54]ـ
الرجوع إلى الأصل في الأشياء
عند ورود الشك أو التردد
¥