أما دعوى أن حمله على غير الوجوب خلاف الظاهر، فليس بشيء، ذلك أن استخداما لفرض على غير معنى الوجوب كثير مشتهر كما مثل به أحد الأخوة هنا. ولو سلمناه لكان ما قدمناه عن القاضي عياض صارفاً عن الظاهر. ونحن لا نسلم أصلاً أن الفرض ظاهر في الوجوب دون التقدير. والله أعلم.

وأجيب عنه أيضاً بأنه من قول عائشة وهو معارض لحديث أنس بن مالك القشيري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما علمت أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" حسنه الألباني، وروي من حديث عبدالله بن الشخير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال فيه الألباني: "صحيح لغيره" راجع (النسائي بأحكام الشيخ الألباني) الأحاديث 2276 و 2280 و 2281 و2315.

قال أبو بكر ابن العربي: "فنص عليه الصلاة والسلام على أن الأربع أصل، وأن صلاة السفر حط من الأصل. وهذا أولى من حديث عائشة؛ لأنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل تأويلاً، وحديث عائشة إخبارٌ منها، والله أعلم كيف تلقنته؟ ومن أين تلقنته؟ وهذا أيضاً يحتمل التأويل" انتهى (المسالك في شرح موطأ مالك) 3/ 74.

وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم فائدة وهي قوله صلى الله عليه وسلم "وضع عن المسافر الصوم" فلا خلاف أنه لا يجب على الصائم الفطر، فكذلك الصلاة.

ولا يقال هنا: إن هذه دلالة اقتران وهي ضعيفة عند الجمهور. لأمرين:

أن المخالف في هذه المسألة يخالف الجمهور، فليس له أن يتعلل بأن دلالة الاقتران مخالفة لقول الجمهور.

والثاني: أن هذا يصح لو كان المعطوف كلام تام، لا ناقص بأن لا يذكر خبره مثلاً، فلو قال رجلٌ فلانة طالق وفلانة، طلقتا جميعاً بلا خلاف. ومثله قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) قال ابن عباس: "إنها لقرينتها" قال القاضي أبو الطيب: "إنما أراد أنها قرينة الحج في الأمر ... والأمر يقتضي الوجوب، فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران"

ومثله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه عامل واحد هو "وضع" فلا يجوز أن يكون تارة للوجوب وتارة للاستحباب للعلة المتقدمة.

وأمر آخر: وهو أن القصر لو كان فرضاً لما جاز للمسافر الإتمام خلف المقيم. فإن قيل: إنما جاز له الإتمام لوجوب متابعة الإمام. قلنا: فكان يجب على المتم أن يقصر خلف المسافر لوجوب متابعة الإمام. فإن قيل: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بمقيمين فأمرهم بالإتمام. قلنا: فسقط ما ذكرتموه حول متابعة الإمام. وإنما جاز أن يتابع المسافر الإمام المتم فيتم معه لأن القصر ليس فرضاً، ولا يخشى من متابعة الإمام الإخلال بفرض. والله أعلم.

وأمر آخر: وهو أن صلاة السفر لم تقر على ركعتين، بل المغرب لا تقصر في السفر بلا خلاف، وهذا مشعر بأن الركعتين ليستا بأصل، بل وضع من الله كما جاء في الحديث، وبقيت المغرب على حالها. وهذا وإن لم يكن ظاهراً فهو متحمل. وبالاحتمال يسقط الاستدلال.

ويدل عليه أيضاً ما رواه الجماعة إلا البخاري عن يعلى بن أمبية قال: قلت لعمر بن الخطاب (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)، فقد أمن الناس، قال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته"

ذهب أكثر المستدلين بالحديث إلى أن وجه الدلالة هي أن قوله صلى الله عليه وسلم "صدقة" يدل على أنها رخصة. وأجيب عنه بأن الأمر يقتضي أنه لا محيص عنها.

لكن هنا أمر آخر، وهو أن عمر فهم من الآية أنه عند زوال الخوف نعود إلى الأصل، فلو كان الأصل ركعتين لم يكن لتعجب عمر بن الخطاب معنى، وهو من أوائل الذي أسلموا فأدرك الفرضين جميعاً. فما باله يتعجب من عود الأمر إلى أصله؟

فهذا يدل على أن الأصل لم يكن عنده الركعتين بل الإتمام، وأن القصر حط كما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم.

وفي الحديث أمر آخر وهو تعجب يعلى بن أمية وتعجب عمر، هل تعجبا من أننا لا نتم الصلاة أربعاً عند الأمن، أو أننا لا نأتي بتمام صفة الصلاة عند الأمن؟ لا شك أنهما إنما تعجبا من الأول، لأننا نأتي بتمام صفات الصلاة عند الأمن. فهذا يدل على أن القصر في الآية المقصود به العدد أولاً، وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على ما فهم، ولم يقل له: لا يا عمر المقصود بالقصر في الآية قصر الصفات. بل قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم" أي قصر العدد لأن قصر الصفات ليست صدقة بل واجب الإتيان بها عند الأمن.

والله تعالى أعلى وأعلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ـ[أبو الفضل الجزائري]ــــــــ[14 - Oct-2008, مساء 07:47]ـ

السلام عليكم جزاك الله خيرا أخي أبا البراء يبدو أني توهمت في النقل عن شيخ الإسلام والحقيقة فقد قرأت له بحثا مطولا في الفتاوى، وظننته يقرر أن القصر بمعنى النسة التي هي ضد البدعة، لا السنة التي تقابل المكروه، فأكرر اعتذاري وجزاك الله خيرا، وأنبه إلى قول شيخ الإسلام في النية للقصر، فالظاهر من مذهب مالك رحمه الله أنه يراعي ذلك، فإنه من دخل من المسافرين بنية الإتمام ثم سلم من ركعتين أعاد الصلاة أبدا، ومن دخل خلف إمام مقيم وهو يظنه مسافرا فسلم معه من ركعتين أعاد أبدا وبالله التوفيق.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015