وإنما أمر بالاستماع والإصغاء لأنه أمر مهم صعب المرام فقد كان السلف الصالح يتوقون الكلام فيه جدا , فقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة)). والجراثيم جمع جرثومة وهي الحجارة المحماة. نعوذ بالله من عذاب جهنم. وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((سلونا عن عضلكم واتركونا من الجد لا حياه الله ولا بياه)). وعضلكم جمع معضلة وهي المسألة المشكلة الصعبة التي لايهتدي لوجهها إلا عميق الفهم , نسأل الله أن يفهمنا ما دق من العلوم وأن يرزقنا البصيرة والفهم الصحيح. وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه ولعن من سبه وعاداه وبالشر قذفه ورماه قال: ((احفظوا عني ثلاثة أشياء: لا أقول في الجد شيئا , ولا أقول في الكلالة شيئا , ولا أولي عليكم أحدا)).
ثم اعلم أيها المبارك أن ميراث الإخوة مع الجد لم يرد فيه شيء من الكتاب ولا من السنة , وإنما ثبت حكم ذلك باجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم , فمذهب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه ولعن من سبه وعاداه وبالشر قذف عرضه ورماه مذهبه هو وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم , ومن تبعهم كأبي حنيفة والمزني وابن سريج وابن اللبان وغيرهم رحمهم الله تعالى: أن الجد كالأب , فيحجب الإخوة مطلقا , وهذا هو المفتى به عند الحنفية , وهذا القول هو الأظهر عند التأمل فتأمل ياطالب العلم.
وأما مذهب الأئمة علي وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: أنهم يرثون على تفصيل وخلاف , ومذهب الإمام زيد هو مذهب الأئمة الثلاثة ووافقهم على ذلك محمد و أبو يوسف صاحبا أبي حنيفة وهو مذهب الجمهور أيضا رحم الله تعالى سلفنا الصالح وأسكنهم فسيح الجنان وجزاهم عنا خير الجزاء.
ولكن هذا الخلاف إنما كان في زمن المجتهدين , وأما الآن فقد ضبط الحكم واستقر عند علماء الفرائض , لا يزاد فيه ولا ينقص عنه , والله تعالى أعلم.
قال الرحبي رحمه الله تعالى:
واعلم بأن الجد ذو أحوال ... أنبيك عنهن على التوالي
يقاسم الإخوة فيهن إذا ... لم يعد القسم عليه بالأذى
فتارة يأخذ ثلثا كاملا ... إن كان بالقسمة عنه نازلا
إن لم يكن هناك ذو سهام ... فاقنع بإيضاحي عن استفهام
وتارة يأخذ ثلث الباقي ... بعد ذوي الفروض والأرزاق
هذا إذا ما كانت المقاسمه ... تنقصه عن ذاك بالمزاحمه
وتارة يأخذ سدس المال ... وليس عنه نازلا بحال
اعلم أيها المبارك أن لتوريث الإخوة مع الجد عند القائلين به حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الإخوة أشقاء فقط أو من الأب فقط.
الحالة الثانية: أن يكون الإخوة من الصنفين معا وهي ماتسمى بمسائل المعادة وسيأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى في درس قادم إن كتب الله في العمر بقية.
بيان الحالة الأولى:
أن يكون مع الجد أحد الصنفين من الإخوة , أشقاء فقط , أو لأب فقط , فهنا نفرق في توريثهم بين أمرين:
الأمر الأول: ألا يكون معهم صاحب فرض , فيخير الجد عندها بين الأحظ له من مقاسمة الإخوة , كأنه واحد منهم , فيرثون جميعا بالتعصيب , وإذا وجد معه أخت فاللذكر مثل حظ الأنثيين , أو أخذ ثلث جميع المال إن كان هو الأحظ له , أو يتساوى له الأمران المقاسمة وثلث جميع المال , ولا يخلو ذلك من ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون المقاسمة للجد أحظ له من ثلث جميع المال , وضابطها: أن يكون الإخوة أقل من مثلي الجد , فيكونوا مثله , أو مثله ونصف مثله فما دون ذلك , وذلك محصور في خمس صور:
الأولى: أن يجتمع الجد مع أخت , فالمسألة من ثلاثة , حاصل عدد الرؤوس (الجد برأسين , والأخت برأس واحد , تماما كالأخ مع أخته إذا اجتمعا) , للأخت الثلث , وللجد الثلثان.
الثانية: أن يجتمع الجد مع أخ واحد , فالمسألة من عدد رؤوسهم: اثنان , للأخ نصفها واحد , وللجد نصفها واحد كما لو اجتمع أخوان شقيقان أو لأب في مسألة واحدة فالمال بين الأخوين الشقيقين أو لأب نصفان يقسم بينهما بالسوية في القسمة العادلة الشرعية.
الثالثة: أن يجتمع الجد مع أختين , فالمسألة من أربعة , للأخوات النصف اثنان , لكل واحدة الربع , وللجد النصف اثنان.
¥