لميثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحدٍ من أصحابه أنه أخرج قيمة زكاة الفطر مع توفرالأموال بينهم، و إخراج زكاة الفطر قيمة خلاف ما أمر به النبي صلى اللهعليه وسلم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» [7] أي: أي أمر ديني محدث غير مقبول، و إذا كان العمل غير مقبول ففعله عبث، وما فائدة أن نفعل عملا لا يقبل.

الدليل الخامس:

النبي صلى الله عليه وسلم قدعين زكاة الفطر من أجناس مختلفة وأقيامهامختلفة غالباً، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعاً من جنس، وما يقابل قيمتهمن الأجناس واعترض مجيزي إخراج القيمة قائلين: القول بأن هذه الأنواع لما كانت مختلفة القيم في عصرنا، كانت كذلك في العصر النبوي فيه قياس عصرنا على عصر النبي صلى الله عليه وسلم و هذا يحتاج إلى نقل صريح في إثباته، و إلا فالأزمنة تختلف في الأسعار، ومساواة الأشياء وتفاضلها، و الجواب على هذا الاعتراض أن اختلاف النوع يؤدي إلى اختلاف القيمة في الغالب و العبرة بالغالب فالذي يقول اختلاف النوع لا يؤدي إلى اختلاف القيمة هو المطالب بالدليل.

الدليل السادس:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك زكاة الفطر دون بيان، و لما بينها ذكر الطعام، و لم يذكر القيمة، و لما لم يذكر القيمة مطلقا دل على وجوب إخراجها طعاما، و ليس بالقيمة إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الدليل السابع:

بيان النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة من قبيل المفسر، والمفسر لا يقبل التأويل،و النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أن زكاة الفطر صاع من تمر أو شعير فالقول بجواز إخراج زكاة الفطر من غير الطعام مخالف لبيان النبي صلى الله عليه وسلم،و قال مجيزي إخراج القيمة: تجويز المانعين إدخال الأرز في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، مع أنه لم يرد به نص بل اجتهاد فكيف يعترضوا على اجتهاد المجيزين و الجواب على هذا الاعتراض: قال أبو سعيد الخدري: كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأرقط و التمر [8] وهذا دليل على أن المطالب به في زكاة الفطر إخراجها طعام من قوت البلد ففي الحديث فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطرصاعا من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط وهو نص مبني على واقع معين إذ أن هذه الأشياء كانت غالب قوت أهل المدينة وإذا تبدلت هذهالأقوات في بلدة ما فإن الزكاة تستخرج منها، و قول الصحابي: كنا نقول كذا وكنا نفعل كذا من ألفاظ التكثير ومما يفيد تكرار الفعل والقول واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم على وجه كان يعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره وجب القضاء بكونه شرعاً، وقام إقراره به مقام نطقه بالأمر به، ويبعد فيما كان يتكرر قول الصحابة له وفعلهم إياه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفى عليه وقوعه ولا يعلم به.

الدليل الثامن:

زكاة الفطر عبادة فرضت من جنس معين ألا وهو الطعام، قال أبو سعيد الخدري: كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأرقط و التمر [9] فلا يجزئ إخراج زكاة الفطر من غير الجنس المعين كما لو أخرجها في غير وقتها المعين.

الدليل التاسع:

الفقراء في يوم العيد يحتاجون للطعام حتى لايضطروالسؤال الناس الطعام يوم العيد، و حاجتهم للطعام أشد من حاجتهم للباس، ومن المشاهد أن الشخص الذي ليس معه مال إذا رزق بمال فإنه يشتري طعاما كي يأكل،و يشتري شرابا كي يشرب و إذا فاض عليه المال يشتري اللباس.

الدليل العاشر:

يجب إخراج زكاة الفطر طعاما اتقاءا للشبهات و خروجا من الخلاف فإخراج زكاة الفطر طعام مجمع عليه و إخراج زكاة الفطر بالقيمة مختلف فيه بين الجواز و عدم الجواز و القاعدة أنه إذا اجتمع مبيح و مانع غلب المنع و إخراج زكاة الفطرة بالقيمة دائر ما بين الإباحة و المنع فيغلب جانب المنع فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [10] يعني اترك الذي ترتاب فيه و تشك فيه إلى الشيء الذي لا تشك فيه فالذي يريبك وتشك فيه فالأحسن أن ترتاح منهوتدعه حتى لا يكون في نفسك قلق واضطراب فيما فعلت وأتيت، و من أخرج زكاة الفطر صاعا من طعام فقد أداها بالإجماع، ومن أخرج عوضها ومقابلها من النقود مثلاً فإنه يبقى في ريب فيترك عملا بالحديث.

الدليل الحادي عشر:

الذي يستقري الصدقات والنفقات والكفارات المالية يجد أن الشرع نص في كل على أنواع معينة، فنص في زكاة الزروع على إخراجها منها يوم حصادها، وفي النقدين منهما، وفي الغنم والإبل منهما، وفي كفارات نص على الكسوة وفي غيرها على تحرير رقبة أو على الطعام، وهنا في صدقة الفطر نص على الطعام ولم يذكر معه غيره فعلم بهذا التغاير أن هذه النصوص مقصودة للشرع كل في موضعه.

[1]- رواه البخاري في صحيحه رقم 1503 [2]- سنن أبى داود حديث رقم 1620

[3]- مريم من الآية 64

[4]- المجموع للنووي 5/ 430

[5]- رواه البخاري

[6]- رواه أبو داود حديث رقم 1818

[7]- رواه البخاري ومسلم في صحيحهما

[8]- رواه البخاري

[9]- رواه البخاري

[10]- رواه أحمد في مسنده والترمذي في سننه والنسائي في سننه وابن حبان والحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في غاية المرام حديث رقم 179

طور بواسطة نورين ميديا © 2015