قوس الرؤية تنازعا مضطربا , وأئمتهم: كبطليموس , لم يتكلموا في ذلك بحرف , لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم , مثل كوشياز الديلمي , وأمثاله. لما رأوا الشريعة علقت الأحكام بالهلال , فرأوا الحساب طريقا تنضبط فيه الرؤية , وليست طريقة مستقيمة , ولا معتدلة , بل خطأها كثير , وقد جرب , وهم يختلفون كثيرا: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب , فأخطئوا طريق الصواب , وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع , وبينت أن ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح).
... ثانياً بيان خطأ العمل بالحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور العربية:
ولنتدرج معاً من خلال عرض هذه النتائج لنصل إلى هذه الحقيقة:
1 - من المهم أن نفرق في البداية بين نوعين من الحساب المتعلق بالهلال، النوع الأول هو حساب موقع القمر الحقيقي، و النوع الثاني هو حساب رؤية القمر:
أ- حساب موقع القمر الحقيقي:- وهو حساب يعتمد على قوانين الجاذبية والتي هي
سنة من سنن الله في كونه أذن سبحانه لخلقه بمعرفتها واستخدامها. وقد اكتشف قوانينها الحسابية نيوتن حتى تطورت إلى النسبية الخاصة والعامة وما بعدها.
وتبعا لهذا القانون يُعرف موقع القمر بالنسبة للأرض بدقة عالية جدا، لكن هذا الموقع هو حقيقة مكان القمر، لا ما يراه الراصد بعينه لكن وكما نعلم أن الشارع أمرنا أن نرى الهلال كما يظهر في السماء لا كما هو على حقيقته فيكون حساب موقع القمر الحقيقي غير صالح لحساب هلال أول الشهر، بالرغم من دقته العالية.
ب- حساب رؤية القمر:- وهذا النوع يعتمد على النوع الأول من الحساب، ولكن يُضيف أثار الانكسار وغيرها ما أمكن، فيقدر لنا موقع القمر كما يمكن أن يُرى بالعين المجردة، وهذا النوع من الحساب هو الذي يعتمده أكثر الحاسبين لحساب هلال أول الشهر. وهنا لا يمكن القول بأن الحسابات بدقة عالية كما سبق، حيث أن ظواهر الغلاف الجوي كثيرة ونحن نريد أن نقدر آثارها على امتداد البصر على الأفق، والذي يصل لراصد على سطح البحر لمسافة خمس كيلومترات.
فإذن سيكون حساب أثر الغلاف الجوي بدقة عالية من الأمور شبه المستحيلة، حيث لو افترضنا وجود عاصفة رملية على بعد خمسة كيلومترات عن الراصد للهلال فإنه لن يشعر بها، وسيكون من الصعب إدخالها في حساباته للهلال، ومثل هذه العاصفة - أو ماشابه - يمكن أن تغير عوامل الرؤية وأثر الانكسار فيصبح الهلال أعلى مما تتوقعه الحسابات التي لم تأخذ أثر الانكسار في الحسبان، فيقال غرب الهلال في الوقت الفلاني، لكن وبسبب الظروف الجوية تكون هناك صورة وهمية للهلال لم تغرب بعد فيراه بعض رائي الهلال. فيقال لذلك أخطأ الحاسبون - ولا مشاحة في الاصطلاح -، لكن هذا ليس خطأ في الحساب بل هو نقص في الفرضيات الابتدائية للحساب، أي أن أثر هذه الظاهرة - العاصفة - لم يُؤخذ في الحسبان، فهو إذا نقص وليس خطأ، وعليه لا يمكن القول أننا اكتشفنا سنة الله في رؤية الهلال. وهناك دراسات كثيرة على عوامل الغلاف الجوي لحساب أدق لظواهره وأثرها في تغيير مواقع الأجرام السماوية، لكن غالبيتها تتفادى القرب من الأفق لصعوبة ذلك وكثرة العوامل المؤثرة.
2 - اختلاف الفلكيين في حسابات دخول الشهر تبعاً لاختلافهم في التعاريف التي تقوم عليها الحسابات:
فمنهم من يعتمد الاقتران: وهو التعريف العلمي (الغربي) للشهر القمري، بأن يكون المدة بين كل اقترانيين للقمر مع الشمس، وهذه تكون تارة بعد (30 يوما) وأخرى بعد (29) وقد يتوالى شهران أو ثلاثة على وتيرة واحدة (30 أو 29). وتقوم هذه الطريقة على أن لحظة الاقتران لحظة كونية لجميع أهل الأرض وغيرهم - وهذا يعتمد على حساب موقع القمر الحقيقي ويُهمل أثر الغلاف الجوي -، فيعتبر أن ما قبل الولادة يكون القمر محاقا وبعدها يولد القمر ليصبح هلالا.
وهناك من لا يستخدم تعريف الاقتران فقط، بل يزيد عليه عمراً معيناً للقمر الوليد.
ومن الملاحظ أن هذين التعريفين لا يقومان على اعتماد الرؤية فتكون التعاريف السابقة غير صالحة لاثبات أوائل الشهور شرعاً. أما التعريف الذي يعتمد الرؤية فهو ما يلي:
¥