اعتماد موقع القمر (الرؤية): وهذا التعريف هو أقرب التعاريف للرؤية، حيث لا يهتم بولادة القمر من عدمها، بل يحسب موقع القمر بالنسبة للراصد والشمس، ويحسب موقع الشمس، ثم يقارن بين موقع الشمس والقمر عند غروب الشمس ليرى مدى ارتفاع القمر فوق الأفق، أي أنه يعتمد حساب رؤية الهلال السابق ذكره.
وهنا يُؤخذ في الاعتبار ما يلي:
1 - أثر الانكسار بسبب الغلاف الجوي الأرضي، بأكثر دقة ممكنة.
2 - موقع الراصد بدقة من حيث الموقع الجغرافي، والارتفاع عن سطح الأرض وانبساط الأرض حوله - الذي يقف على جبل حاد القمة، قد يرى الهلال، في حين أن راصداً على هضبة بالارتفاع نفسه لذلك الجبل يكون الهلال قد غرب عنده منذ فترة، ويغرب الهلال قبل ذلك أيضا لمن يرصد من ارتفاع سطح البحر- والاعتباران السابقان لا يمكن أن يحسبا بدقة متناهية -.
والحاسبون بهذا التعريف فريقان:
الأول: يُعين حجم معين للهلال إذا قل عنه لا يدخل الشهر على اعتبار أنه لا يمكن رؤية الهلال، وكذلك يعتبر بُعد معين للهلال عن الشمس إن كان بعد الهلال أقل منه لا يدخل الشهر. وقد تضاربت الأقوال في أصغر هلال يُمكن رؤيته وأقل مسافة من الشمس يمكن رؤية الهلال منها. وهذا يعتمد على مقدرة العين، ولا يُقبل شرعا أن نأخذ متوسط مقدرات الأعين، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختبر عيون الراصدين ولم يلغي شهادة ذوي الإبصار القوية، بل كان يقبل الشهادة بدون تعقيد.
الثاني: لا يعتبر أي حجم أو بعد للقمر عن الشمس، بل يحسبون مكان الهلال كما يُتوقع أن يظهر للراصدين، مهما كان عمره أو بعده عن الشمس. ويمكن أن نسمي هذه الطريقة "بحساب الرؤية"، وتتم بطريقتين:
الأولى: نسميها " حساب الرؤية العام": وتكون بحساب ظروف الرؤية لمساحة كبيرة من الأرض (دولة مثلا) ويحدد أفضل الأماكن للرؤية، وهذه يحدث فيها خطأ حيث انه سيفترض أن ارتفاعات الراصدين عن سطح البحر، وظروفهم الجوية متقاربة.
الثانية: نسميها " حساب الرؤية الخاص": فيكون الحساب لكل موقع بحسب مكانه وارتفاعه
وظروفه الجوية.
ومما سبق يمكن أن نخلص إلى النتائج التالية:
1 - أغلب الأساليب والتعاريف الفلكية لبداية الشهر الإسلامي لا تتفق مع التعريفات الشرعية.
2 - تلك الطرق التي تحاول أن تتقرب من التعريف الشرعي لبداية الشهر الإسلامي، لا زالت تواجه بعضاً من النواقص في تعريفات متغيراتها الأولية مثل:
(أ) أثر الانكسار الجوي بدقة عالية (وهذا من الأمور الصعبة جداً).
(ب) أثر ظاهرة السراب (وهو من الأمور الصعبة جداً).
(ج) الموقع الحقيقي للراصد وارتفاعه عن مستوى سطح البحر (وهذا ممكن لكن كل راصد سيُحسب له وحده).
... ثالثاً ظنية الحساب الفلكي ():
و ذلك للأمور الآتية:
1 - أن قطعية الحساب لا تقبل إلاّ بنتائج تفيد العلم اليقيني بصدق نتيجته، و إطّرادها ومدى سلامة مقدماته شرعاً، و هذا لو جَعل الشرع المصير إليه. والواقع أنه ليس لدينا دليل متوفر على هذا المنوال ليُكسب إفادته اليقين، إلاّ شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم يقيني، و الأدلة المادية الآتية تقدح في مؤدى شهادتهم و تقوى بنفي نظرائهم في الفلك من عدم إفادته اليقين، كما قررته اللجنة الشرعية الفلكية بالأزهر في قراراتها المطبوعة، إضافة إلى أن الشرع لا يعتبر صدق الخبر والشهادة إلاّ من مبرز في العدالة الشرعية.
2 - قيام دليل مادي في الساحة المعاصرة على أن الحساب أمر تقديري اجتهادي يدخله الغلط، و ذلك في النتائج الحسابية التي ينشرها الحاسبون في الصحف من تعذر ولادة رمضان أو شهر الفطر مثلاً ليلة كذا، ثم تثبت رؤية الهلال بشهادة شرعية معدلة، أو رؤية فاشية في ذات الليلة التي قرروا استحالته فيها.
3 - و من شواهد المعاصرين على ذلك أنا رأينا بعض البلدان الإسلامية تعلن الصوم بموجب الحساب الفلكي، و الفارق بينها و بين البلدان التي تثبته بالرؤية يومان أو ثلاثة، فهل يكون في الدنيا فارق في الشهور القمرية الشرعية كهذه المدة؟ و هذا هو عين دخول الخلل في مواسم التعبد مما يقطع كلٌ بفساده
4 - الحساب الفلكي المعاصر قائم على الرصد بالمراصد الصناعية الحديثة، و الراصد كغيره من الآلات التي يؤثر على صلاحيتها و نتائجها أي خلل فني فيها، قد لا يشعر به الراصد.
¥